من «البرصان والعرجان والعميان والحولان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
وفي أصناف الحيوان عرج وأشباه العرج
وأشكال من المشي واختلاف في العدو، وتفاوت في الوطء. وللإنسان نفسه اختلاف شديد على قدر الحالات المختلفة عليه، وبكلّ ذلك نطقت الأشعار، واستفاضت الأخبار، وشهد عليه العيان، وميّزته العقول.
فمن العرج الضّبع، عرجاء البتّة، وهي أشدّ السّباع حرصا على لحوم الناس، وأشدّ الخلق مغارز أسنان، ويقال إنّها ممطولة في فكّيها. وهي تنبش القبور وتحفرها حتّى تنتهي إلى أبدان الموتي.
ثم الذّئب، وهو أقزل- والقزل: أقبح العرج- والفرس شنج النّسا كأنّ به عقّالا. وقال عمرو بن العاص:
شنج الفرسن محبوك القراشنج الأنساء في غير فحج
والغراب يحجل ويمشي مشي المقيّد. وقال الطّرمّاح:
شنج النّساء وافي الجناح كأنّهفي الدّار، بعد الظّاعنين، مقيّد
وقال أبو عمران الأعمى:
فما استوحش الحيّ المقيم لرحلة الخليط ولا عزّ الذين تحمّلوا
كتارك يوما مشية من سجيّةلأخرى ففاتته فأصبح يحجل
والأسد يتبهنس ويتخلّع، وكأنّه إذا مشى يتقلّع من طين علك أو دهاس كثير الرّمل. وكذلك السنّور على قدره. والأسد والببر والنّمر والفهد والسنور متشابهة في عمود الصّورة. وفي ذلك مشابه في جهات أخر. قال أبو زبيد في مشية الأسد:
إذا تبهنس يمشي خلته وعثاوعت سواعده من بعد تكسيره
وذلك أنّ العربّ تزعم أن ربّ عظم إذا جبر بعد الكسر يصير أشدّ.
وقال في ذلك أيضا زهير:
رأيتكم آل البروك كأنّماتصدّون عن ذي لبدة عرك جهم
أزبّ طويل السّاعدين كأنّماوعت بعد كسر ساعداه على عثم
وفي المثل: «كأنّما كسر ثمّ جبر».
وللأسد تحت المطر مشي آخر. وقال في ذلك عمرو بن الإطنابة:
خزر عيونهم لدى أعدائهميمشون مشي الأسد تحت الوابل
وقال سويد بن أبي كاهل:
هل سويد غير ليث ضيغمثئدت أرض عليه فظلع
وللخماع الذي في قوائم الأسد قال أبو زبيد:
كأنّما يتفادى أهل ودّهممن ذي زوائد في أرساغه فدع
والعصفور على خلاف الحيوان، وذلك أنّه لا يمشي البتّة، وإنّما يجمع رجليه فيضعهما جميعا ويرفعهما جميعا، لا يقدر على غير
ذلك.
وأما الزّرازير- وواحدها زرزور- فإنّه طائر شديد الطّيران، خفيف البدن، صغير الجرم، وهو لا يمشي البتّة، وإنّما يرسل نفسه من وكره طائرا، ثم يعود إلى جوف وكره طائرا.
والظّبي يمشي، وإذا شاء جمع قوائمه ووثب، فإن شاء واتر بين ذلك، وإن شاء لم يواتر. إلّا أنّ الظباء ليس لها عدو ولا ضبر مذكور إلّا على بسيط الأرض. وليس للأوعال عمل مذكور إلّا في الجبال. قال الشاعر:
وخيل تكدّس بالدارعينكمشي الوعول على الظّاهرة
والجرادة تمشي وتجمع نفسها وقوائمها إذا أرادت، ثم تثب، كلّ ذلك عندها.
وكذلك البرغوث يمشي وإذا شاء وثب، والوثب أكثر عمله، وإنّما قيل له طامر لطموره.
قال الراجز:
فكم وكم من طوّل طموحلم ينجه طموره في اللّوح
من صلتان فلتان شيح
وقال في البرغوث:
أو طامريّ واثبلم ينجه منه وثابه
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع