من «البرصان والعرجان والعميان والحولان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
إبراهيم ابن محمد بن طلحة بن عبيد الله بن محمد
أخو حسن بن حسن لأمّه. قالوا: وكان قد غلب على أموالهم حتّى شكوا ذلك إلى أبي
هاشم عبد الله بن محمّد بن علي بن أبي طالب، فدخل على والي المدينة، فلمّا رآه عنده قال: ألا أدلّك أيّها الأمير على الظّالم الضّالع الظالع، في كلام غير هذا قد عرضه الرواة.
وقال حميد بن ثور الهلاليّ:
كفى حزنا ألّا أردّ مطيتي.... مستزاد إلى أهلي
وألّا أدلّ القوم واللّيل دامسفجاج الصّوى باللّيل في الغائط المحل
ولا يتّقي الأعداء شرّي وقد يرىمكان سوادي لا أمرّ ولا أحلى
وطرحي سلاحي واحتبائي قاعدالدى البيت لا يبلى شراكي ولا نعلي
وإنصاتتي أهلي لضعفي مخافةعليّ، وما قام الحواضن عن مثلي
أعين العصا بالرّجل والرّجل بالعصافما عدلت مثلي عصاي ولا رجلي
هذا رجل يصف الكبر والضّعف الذي يعتري الهرمى. وليس يحمل أحدهم العصا على جهة حمل الأعرج، ولكنّه مما يجوز أن يدخل في هذا الباب.
والعرج أيضا يعرض من أمور كثيرة. وقد علمنا أنّ صاحب النّقرس أسوأ حالا إذا تكلّف المشي من الأعرج، كما كان يصيب هرثمة بن
أعين، ونصر بن شبث، وإسماعيل بن نيبخت.
وكان العلاء بن الوضّاح يوتد سكّة حديد في الأرض حتّى يغرقها، ثم يشدّ ساقه بها، ثم يضع رجله اليسرى في الرّكاب ويثب، فيقلع السّكّة ويستوي على ظهر الفرس، كأنّه لم يصنع شيئا، من شدّة متنه وقوّة عصبه، وتوتير نساه. فانقطعت في بعض ذلك عصبة من ساقه، فكان أسوأ حالا من الأعرج. ولقد رأيته بالمبارك في غداة قرّة، وهو على فرس له
مرح جامّ، في قباء طاق، فما رأيت مثله أشدّ ولا أفرس.
ومن العرجان الأشراف السادة، ومن قدّمته العشائر طوعا، ورأّسته الخلفاء اختيارا، وتحفّظ الناس كلامه، ودوّنوا ألفاظه، واقتبسوا من علمه.
وفي طول ما مدح الله به عباده والصّالحين بالأسماء الكريمة، ووصفهم بالخصال الشريفة، لم يمدحهم بشيء أقلّ من ذكره لهم بالحلم.
ولم نجد ذلك في القرآن إلّا في موضعين.
وقد وصف النّاس بالحلم عادا في الجملة كما قال النابغة:
أحلام عاد وأجساد مطهّرةمن المعقّة والآفات والأثم
وقد ذكروا في الشعر حلم لقمان ولقيم بن لقمان، وذكر [وا] قيس بن عاصم، ومعاوية بن أبي سفيان، ورجالا كثيرا، ما رأينا هذا الاسم التزق والتحم بإنسان وظهر على الألسن، كما رأيناه تهيّأ للأحنف ابن قيس. وكان مع ذلك رئيسا في أكثر تلك الفتن، فلم نر حاله عند الخاصّة والعامّة، وعند النّسّاك والفتّاك، وعند الخلفاء الراشدين، والملوك المتغلّبين، ولا حاله في حياته، ولا حياته بعد موته إلّا مستويا. فينبغي أن يكون قد سبقت له من النبي ﷺ دعوة، أو قال فيه خيرا، كما قد رووه وذكروه، أو كان قد كان يظهر من حسن النيّة ومن شدّة الإخلاص ما لم يكن عليه أحد من نظرائه.
فإن قال قائل: أنتم تزعمون أنّ عبد المطّلب أحلم النّاس، وكذلك العبّاس بن عبد المطلب. قلنا إنّ الأحنف كان الحلم سيّد عمله، فبان من سائر أعماله؛ ومحاسن عبد المطّلب، وخصال العبّاس في المجد والشرف كانت متكاتفة متساوية، كلّ خصلة منها تنتصف من أختها، وكانت كما قال الشاعر:
أنّي غرضت إلى تناصف وجههاغرص المحبّ إلى الحبيب الغائب
ومثل ذلك قوله:
جاءتا تهضّ الأرض أيّ هضّيدفع منها بعضها عن بعض
مثل العذارى شمن عين المغضى
وقال جرير في شبه ذاك:
برزن فلا ذو اللّبّ وفّرن عقلهوقلن فلم يفضح بهنّ مريب
وقال قيس بن الخطيم:
تغترق الطّرف وهي ساهيةكأنّما شفّ وجهها النّزف
وهذا البيت ليس من الشكل الأوّل، ولكنّه مما يتعلّق به ويروى معه.
وإذا كانت الخصال كذلك لم يغلب على صاحبه اسم دون اسم، ورجع الأمر فيه إلى أن يسمّى سيّدا وما أشبه ذلك، والنّبوّة تأتي على الغايات، وتحوز النهايات.
وكان الأحنف أحنف من رجليه جميعا، ولم يكن له إلّا بيضة واحدة، وكان قد ضرب على رأسه بخراسان فماهت إحدى عينيه وقال الحتات: إنّك لضئيل، وإنّ أمّك لورهاء.
وقال أبو الحسن: ولد الأحنف مرتتق حتار الاست حتّى فتق وعولج. فإن كانت هذه الصّفات كذبا وباطلا، فإنّا لا نشكّ أنّ الحسد الذي أخرج من أعدائه هذه الأمور لم يكن إلّا على نعمة سابغة غامرة، وإلّا على خصال عالية فاضلة، ثم لم يضره ذلك ولا وضع منه، ولا زادته
الأيّام إلّا رفعة، والحالات إلّا رياسة، وإن كانت هذه الخصال قد كانت فيه وكانت معلومة معروفة، لم تنقص من قدره عروة، ولا فسخت من معاقد رياسته عقدة، فيعلم الطّاعن عليه أنّه إنّما يريد أن يطمس عين الشّمس، ويردّ هبوب الريح.
كان أبين النّاس في كلّ حال، وأخطبهم في يوم حفل وتصنّع، وفي يوم أنس واسترسال. وهو صاحب الرّاية بخراسان، وقد انغمس في حومة الحرب ثلاث مرّات وهو يقول:
إنّ على كلّ رئيس حقّاأن يخضب الصّعدة أو تندقّا
وسار تحت لوائه الأقرع بن حابس، وكان واليه على الجوزجان، ومشي في جنازته مصعب بن الزّبير بغير حذاء ولا رداء، مع علمه بما قال الناس في شأنه وشأن ابن جرموز. وكان مع ذلك لا يرى الحكمين. وهو الذي قال لرسول قطريّ ولرائده وبغيّته، والمبلّغ
عنه: «إن ركبوا بنات شحّاج، وقادوا بنات أعوج، وأصبحوا ببلدة وأمسوا بأخرى، طال أمرهم».
وهو الذي قال لمّا طمع فيه عبد الملك للجفوة التي حدثت بينه وبين مصعب وجرّد إليه رسولا فقال للرسول: «أبلغ صاحبك أنّه إن لم يغزنا لم نغزه، وإن أتانا لم نقاتله»، فعندها قوي عبد الملك في نفسه.
ومما يدلّ على تواضعه وحسن نيّته، وعلى أنّه يعمّ بالرأي ولا يخصّ، ممّا رووا من شأن الرجل الذي قال له: ما يمنعك يا أبا بحر من دخول المقصورة ؟ قال: فأنت ما يمنعك من ذلك؟ قال: لا أترك! قال: فلذلك لا أدخلها.
وتكلّم النّاس عند معاوية في توكيد بيعة يزيد والأحنف ساكت، فقال معاوية: لم لا تتكلم يا أبا بحر؟ قال: «أخافك إن صدقتك، وأخاف
الله إن كذبتك ».
وأطرى رجل من قريش يزيد بن معاوية عند معاوية، فلمّا خرج الناس أقبل على الأحنف فقال: إنّي والله وإن قلت الذي قلت رغبة أو رهبة فإنّه ما علمت للّذي، وإنّ ابنه ما علمت للّذي.. قال الأحنف: «إنّ ذا الوجهين لا يكون عند الله وجيها».
وشهد مصعبا يوما وهو يوبّخ رجلا ويقرّعه ويقول: أبلغني عنك الثّقة كذا، وأبلغني عنك الثّقة كذا. فقال الأحنف: «كلّا أيها الأمير، إنّ الثّقة لا يبلّغ».
هذا الذي كتبت لك قليل من كثير، ولم نرد الإخبار عن بلاغة لسانه، ولا عن كثرة معرفته، وإنّما أردت أن تعرف حسن نيّته.
وكتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقّاص: «يا سعد سعد بني وهيب. إنّ الله إذا أحبّ عبدا حبّبه إلى خلقه، فاعتبر منزلتك من الله
بمنزلتك من الناس، واعلم أنّ ما لك عند الله مثل ما لله عندك ».
فنحن نظنّ أنّ هذه المنزلة التي صارت للأحنف في قلوب الناس لمنزلة الإسلام من قلبه.
وهو الذي لمّا دخل في الوفد على مسيلمة الكذّاب فخرج من عنده، قال له بعض رؤساء القوم: كيف رأيته؟ قال: والله ما هو بنبيّ صادق، ولا متنبّىء حاذق.
وهو الذي لما وفد على عمر وتنازعوا الكلام عنده أمسك، حتّى كان عمر هو المستنطق له الكلام، وخصّ بالكلام عمر، وذكروا شأن أنفسهم، وتكلّم الأحنف عمّن غاب من مجلسهم، فتكلّم في مصلحة البلاد والعباد.
وسنذكر فقرا من كلامه في كتاب البيان والتّبيان إن شاء الله.
وبالله التوفيق.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع