تجاوز إلى المحتوى

من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)

سعدون المجنون

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

سعدون المجنون؛ يقال إن اسمه سعيد وكنيته أبو عطاء ولقبه سعدون، من أهل البصرة؛ كان من عقلاء المجانين وحكمائهم، له أخبار ملاح وكلام سديد ونظم ونثر يستحسن، وطوف البلاد، ودونت أخباره.

استقدمه المتوكل وسمع كلامه، وكان من المحبين لله ﷿، صام ستين سنة فجف دماغه، فسماه الناس مجنوناً.

قال عطاء السلمي: احتبس علينا القطر بالبصرة فخرجنا نستسقي، وإذا بسعدون المجنون، فلما أبصرني قال: يا عطاء إلى أين؟ قلت: خرجنا نستسقي، قال: بقلوب سماوية أم بقلوب أرضية؟ قلت: بقلوب سماوية، قال: لا تبهرج فإن الناقد بصير، قلت: ما هو إلا ماحكيت لك، فاستسق لنا، فرفع رأسه إلى السماء وقال: أقسمت عليك إلا سقيتنا الغيث، ثم أنشأ يقول:

أيا من كلما نودي أجاباومن جلاله ينشي السحابا
للشاعر سعدون المجنون، اقرأ القصيدة
ويا من كلم الصديق موسىكلاماً ثم ألهمه الصوابا
للشاعر سعدون المجنون، اقرأ القصيدة
ويا من رد يوسف بعد ضرٍعلى من كان ينتحب انتحابا
للشاعر سعدون المجنون، اقرأ القصيدة
ويا من خص أحمد واصطفاهوأعطاه الرسالة والكتابا اسقنا؛ فأرسلت السماء شآبيب كأفواه القرب،

فقلت: زدني، قال ليس ذا الكيل من ذا البيدر، ثم أنشأ يقول:

سبحان من لم يزل له حججقامت على خلقه بمعرفته
قد علموا أنه مليكهميعجز وصف الأنام عن صفته
للشاعر سعدون المجنون، اقرأ القصيدة

وقال عطاء: رأيت سعدون المجنون ذات يوم يتفلى في الشمس، فانكشفت عورته، فقلت له: استرها يا أخا الجهل، فقال: من لك مثلها فاستر. ثم مر بي يوماً وأنا آكل رماناً في السوق، فعرك أذني وقال:

أرى كل إنسان يرى عيب غيرهويعمى عن العيب الذي هو فيه
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة
وما خير من تخفى عليه عيوبهويبدو له العيب الذي لأخيه
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة
وكيف أرى عيباً وعيبي ظاهروما يعرف السوءات غير سفيه
للشاعر سعدون المجنون، اقرأ القصيدة

وقال عبد الله بن سويد: رأيت سعدون المجنون وبيده فحمة وهو يكتب بها على قصر خراب:

يا خاطب الدنيا إلى نفسهإن لها في كل يوم خليل
للشاعر سعدون المجنون، اقرأ القصيدة
ما أقبح الدنيا بخطابهاتقتلهم عمداً قتيلاً قتيل
تستنكح البعل وقد وطنتفي موضعٍ آخر منه البديل
للشاعر سعدون المجنون، اقرأ القصيدة
إني لمغتر وإن البلىيعمل في نفسي قليلاً قليل
تزودا للموت زاداً فقدنادى مناديه الرحيل الرحيل

وقال الفتح بن سالم: كان سعدون سياحاً لهجاً بالقول، فرأيته يوماً بالفسطاط قائماً على حلقة ذي النون المصري وهو يقول: يا ذا النون، متى يكون القلب أميراً بعد أن كان أسيراً؟ فقال ذو النون: إذا اطلع الخبير على الضمير فلم ير في الضمير إلا الخبير، قال: فصرخ سعدون، ثم خر مغشياً عليه، ثم أفاق وهو يقول:

ولا خير في شكوى إلى غير مشتكىولابد من شكوى إذا لم يكن صبر
للشاعر سعدون المجنون، اقرأ القصيدة

ثم قال: أستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: يا أبا الفيض، إن من القلوب قلوباً تستغفر قبل أن تذنب، قال: نعم، تلك قلوب تثاب قبل أن تطيع، أولئك قوم أشرقت قلوبهم بضياء روح اليقين.

وكانت وفاة سعدون بعد الخمسين والمائتين، رحمه الله تعالى.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «فوات الوفيات»