من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)
ابن عبدون
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
عبد المجيد بن عبدون، أبو محمد الفهري؛ روى عن أبي عاصم بن أيوب وأبي مروان بن سراج والأعلم الشنتمري، وتوفي سنة عشرين وخمسمائة، رحمه الله تعالى، وكان أديباً شاعراً كاتباً مترسلاً، عالماً بالخبر والأثر ومعاني الحديث، أخذ الناس عنه، وله مصنف في الانتصار لأبي عبيد علي ابن قتيبة.
ومن شعره قصيدته الرائية التي رثى بها ملوك بني الأفطس وذكر فيها من أباده الحدثان، من ملوك كل زمان، وهي:
الدهر يفجع بعد العين بالأثرفما البكاء على الأشباح والصور
أنهاك أنهاك لا آلوك معذرةًعن نومةٍ بين ناب الليث والظفر
فلا يغرنك من دنياك نومتهافما صناعة عينيها سوى السهر
تسر بالشيء لكن كي تغر بهكالأيم ثار إلى الجاني من الزهر
والدهر حرب وغن أبدى مسالمةوالسود والبيض مثل البيض والسمر
ما لليالي أقال الله عثرتنامن الليالي وغالتها يد الغير
هوت بدارا وفلت غرب قاتلهوكان غضباً على الملاك ذا أثر
واسترجعت من بني ساسان ما وهبتولم تدع لبني يونان من أثر
واتبعت أختها طسماً وعاد علىعادٍ وجرهم منها ناقض المدر
وما أقالت ذوي الهيآت من يمنٍولا أجارت ذوي الغايات من مضر
ومزقت سبأ في كل قاصيةفما التقى رائح منهم بمبتكر
وأنفذت في كليب كلمها ورمتمهلهلاً بين سمع الأرض والبصر
ودوخت آل ذبيان وجيرتهملخماً وعضت بني بدر على النهر
وما أعادت على الضليل صحتهولا ثنت أسداً عن ربها حجر
وألحقت بعدي بالعراق علىيد ابنه أحمر العينين والشعر
وبلغت يزد جرد الصين واختزلتعنه سوى الفرس جمع الترك والخزر
ولم تكف مواضي رستم وقناذي حاجب عنه سعداً في انتها العمر
ومرغت جعفراً بالبيض واختلستمن غيله جمرة الظلام للجزر
وأشرفت بخبيب فوق قارعةٍوالصقت طلحة الفياض بالعفر
وخضبت شيب عثمان دماً وخطتإلى الزبير ولم تستحي من عمر
ولا رعت لأبي اليقظان صحبتهولم تزوده غير الضيح في الغمر
واجزرت سيف أشقاها أبا حسنوأمكنت من حسين راحتي شمر
وليتها إذ فدت عمراً بخارجهفدت علياً بمن شاءت من البشر
وفي ابن هندٍ وفي ابن المصطفى حسنٍأتت بمعضلة الألباب والفكر
فبعضنا قائل ما اغتاله أحدوبعضنا ساكت لم يؤت من حصر
وأردت ابن زيادٍ بالحسين ولميبؤ بشسعٍ له قد طاح أو ظفر
وعممت بالظبا فودي أبي أنسولم ترد الردى عنه قنا زفر
وأنزلت مصعباً من رأس شاهقةكانت به مهجة المختار في وزر
ولم تراقب مكان ابن الزبير ولارعت عياذته بالبيت والحجر
ولم تدع لأبي الذبان قائمةًليس اللطيم لها عمرو بمنتصر
وأظفرت بالوليد ابن اليزيد ولمتبق الخلافة بين الكاس والوتر
ولم تعد قضب السفاح نابيةعن رأس مروان أو أشياعه الفجر
وأسبلت دمعة الروح الأمين علىدم بفخ لآل المصطفى هدر
وأخفرت في الأمين العهد وانتدبتلجعفر في ابنه والأعبد الغدر
وأشرقت جعفراً والفضل ينظرهوالشيخ يحيي بريق الصارم الذكر
ولا وفت بعهود المستعين ولابما تأكد للمعتز من مرر
وأوثقت في عراها كل معتمدوأشرقت بقذاها كل مقتدر
وروعت كل مأمون ومؤتمنوأسلمت كل منصور ومنتصر
بني المظفر والأيام ما برحتمراحلا والورى منها على سفر
سحقاً ليومكم يوماً ولا حملتبمثله ليلة في سالف العمر
من للأسرة أو من للأعنة أومن للسماحة أو للنفع والضرر
أو دفع كارثةٍ أو قمع رادفةأو ردع حادثة تعيي على القدر
ويح السماح وويح البأس لو سلماوحسرة الدين والدنيا على عمر
سقت ثرى الفضل والعباس هاميةتعزى إليهم سماحاً لا إلى المطر
ومر من كل شيء فيه أطيبهحتى التمتع بالآصال والبكر
أين الجلال الذي غضت مهابتهقلوبنا وعيون الأنجم الزهر
أين الإباء الذي أرسوا قواعدهعلى دعائم من عز ومن ظفر
أين الرواء الذي أصفوا شرائعهفلم يرد أحد منها على كدر
على الفضائل إلا الصبر بعدهمسلام مرتقبٍ للأجر منتظر
يرجو عسى وله في أختها طمعوالدهر ذو عقبٍ شتى وذو غير
وقد سلك مسلك هذه القصيدة أبو جعفر الأعيمي فقال قصيدة أولها:
قفا حدثاني عن فلٍ وفلانلعلي أرى باقٍ على الحدثان
وهي مذكورة في ترجمته.
ومن شعر ابن عبدون:
وافاك من فلق الصباح تبسموانساب من غسق الظلام تهجم
والليل ينعى بالأذان وقد شدابالأيك طير البانة المترنم
ودموع طل الليل تخلق أعيناًيرنو بها من ماء دجلة أرقم
وقال أيضاً:
مضوا يظلمون الليل لا يلبسونهوإن كان مسكي الجلابيب ضافيا
يؤمون بيضاً في الأكنة لم تزلقلوبهم حباً عليها أداحيا
وأغربة الظلماء تنفض فيهمقوادمها مسلولة والخوافيا
إذا مرقوا من بطن ليل رقت بهمإلى ظهر يوم عزمة هي ما هيا
وإن زعزعتهم روعة زعزعوا الدجىإليها كماةً والرياح مذاكيا
ولو أنها صلت لكان إمامهاثنا عمر في فحمة الليل هاديا
همام أقام الحرب وهي قعيدةوروى القنا فيها وكانت صواديا
شريف المطاوي تحت ختم ضلوعهتميمة تقوى ردت الدهر صاديا
إذا قرئت لا بالنواظر طابقتسرى أختها ذات البروج مساعيا
وهدي لو استشفى المحب بروحهلما كان بالوجد المبرح صاليا
ورقة طبعٍ لو تحلى بها الهوىلأعدى على عصر الشباب البواكيا
إليك أكلت الأرض بالعيس ثائراًوقد أكلت منها الذرى والحواميا
حوافي لا ينعلن والبعد آذنعلى نفسه إلا الوجى والدياجيا
فجاءته لم تبصر سوى البشر هادياإليه ولم تسمع سوى الشكر حاديا
ألكني ألكني والسيادة بينناإلى مولعٍ بالحمد يشريه غاليا
إلى آمر في الدهر ناهٍ إذا قضىعلى كل من فيه أطاعوه قاضيا
وحيوه لا راجين منه تحيةًوإن كان جواداً لا يخيب راجيا
إليك ابن سيفي يعرب زف خاطريعقائل لا ترضى البروج مغانيا
وإني لأستحيي من المجد أن أرىعلي لمأمول سواك أياديا
وإني وقد أسلفتني قبل وقتهمن البر ما جازت خطاه الأمانيا
وأيقظت من قدري وما كان نائماًوأبعدت من ذكري وما كان دانيا
ولكن نبا من جنس ذكرك في يديأظن حساماً لم يجد فيه نابيا
ولو لم يكن ما خفت لا خفت لم أجدعلى غير ما أخدمتنيه اللياليا
إلى من إذا لم تشكني أنت والعلاأكون لما ألقى من الدهر شاكيا
وأنت على رفعي ووضعي حجةفكن بي على أولاهما بك جازيا
وكون مكاني من سمائك عاطلاًولولا مكاني الدهر ما كان خاليا
فرد المنى خضراً ترف غصونهابمبسوطةٍ تندى ندىً وعواليا
عوالٍ إذا ما الطعن هز جذوعهاتساقطت الهيجا عليك معاليا
وعاون على استنجاز طبعي بهبةترقص في ألفاظهن المعاليا
وعز على العلياء أن تلقي العصامقيماً بحيث البدر ألقى المراميا
ومن قام رأي ابن المظفر بينهوبين الليالي نام عنهن لاهيا وقال أيضاً:
سقاها الحيا من مغانٍ فساحفكم لي بها من معانٍ فصاح
وحلى أكاليل تلك الربىووشى معاطف تلك البطاح
فما أنس لا أنس عهدي بهاوجري فيها ذيول المراح
فكم لي في اللهو من طيرةٍإليها بأجنحة الإرتياح
ونوم على حبرات الرياضتجاذب بردي أيدي الرياح
وليلٍ كرجعة طرف المريبلم أدره شفقاً من صباح
كعمر عداتك يوم الندىوعمر عداتك يوم الكفاح
إليك رمى أملي بي ولاهوي مصفقةٍ بالرياح
إذا عمر هطلت كفهفلا حملت سحب من رياح
وقال أيضاً:
وما انس بين النهر والقصر وقفةًنشدت بها ما ضل من شارد الحب
رميت بلحظي دمية سنحت بهفلم أنتبه إلا ومحرابها قلبي
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع