تجاوز إلى المحتوى

من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)

شرف الدين ابن فضل الله

فيه ٣٩ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

عبد الوهاب بن فضل الله، القاضي شرف الدين، يمين الملوك والسلاطين، القرشي العمري - وقد ذكرنا تمام نسبه في ترجمة ابن أخيه شهاب الدين؛ مولده في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين وستمائة؛ كان كاتباً أديباً مترسلاً كتب المنسوب الفائق ومتع بحواسه لم يفقد منها شيئاً ولم تتغير كتابته، ومات وهو جالس ينفذ بريد إلى بعض النواحي، وكان مخادميه يحترمونه ويعظمونه، مثل حسام الدين لاجين والملك الأشرف والملك الناصر والأمير سيف الدين تنكز، كان كل وقت يذكره، وكان كاملاً في فنه، ما كتب عن ملوك الأتراك أحد مثله.

رآه الملك الأشرف مرة وقد قام ومشى يلقى أميراً، فلما حضر عنده قال: رأيتك قمت من مكانك وخطوت خطوات، فقال: يا خوند كان الأمير سيف الدين بيدرا النائب قد جاء وسلم علي فقال: لا تعد تقم لأحد أبداً، أنت تكون قاعداً عندي وذاك واقف.

وحكي أنه كان يوماً بالمرج يقرأ على تنكز كتاب بريد جاء من السلطان، والمماليك قد رموا جلمة على عصفور، فاشتغل تنكز بالنظر إليها، فبطل شرف الدين القراءة وأمسكه وقال: يا خوند إذا قرأت عليك كتاب السلطان اجعل بالك كله مني، ويكون ذهنك عندي، لا تشتغل بغيري أبداً، وافهمه لفظة لفظة.

وما رأى أحد ما رآه من التعظيم في النفوس؛ وكان في مبدأ أمره يلبس القماش الفاخر ويأكل الأطعمة الشهية ويعمل السماعات، ويعاشر الفضلاء مثل بدر الدين بن مالك وابن الظهير وغيرهم، ثم انسلخ من ذلك كله لما داخل الدولة، وقتر على نفسه واختصر في ملبسه وانجمع عن الناس انجماعاً كلياً، ولما مات خلف نعمة طائلة.

وكان الملك الناصر قد نقله من مصر إلى الشام عوضاً عن أخيه محيي الدين؛ لأن السلطان كان قد وعى القاضي علاء الدين ابن الأثير لما كان معه بالكرك بالمنصب، فأقام بدمشق إلى سنة سبع عشرة وسبعمائة، وتوفي في رمضان رحمه الله تعالى.

ورثاه شهاب الدين محمود وهو بمصر وكتب بها إلى القاضي محيي الدين أخيه:

لتبك المعالي والنهى الشرف الأعلىوتبكي الورى الإحسان والحلم والفضلا
وتنتحب الدنيا لمن لم تجد لهوإن جهدت في حسن أوصافه مثلا
ومن أتعب الناس اتباع طريقهفكفوا وأعيتهم طريقته المثلى
لقد أثكل الأيام حتى تجهمتوإن كانت الأيام لا تعرف الثكلا
وفارق منه الدست صدراً معظماًرحيباً يرد الحزن تدبيره سهلا
فكم حاط بالرأي الممالك فاكتفتله أن تعد الخيل للصون والرجلا
وكم جردت أيدي العدا نصل كيدهمفرد إلى أعناقهم ذلك النصلا
وكم جل خطب لا يحل انعقادهفأعمل فيه صائب الرأي فانحلا
وكم جاء أمر لا يطاق هجومهفلما تولى أمر تدبيره ولى
وكم كف محذوراً وكم فك عانياًوكم رد مكروهاً وكم قد جلا جلى
وقد كان للاجين ظلاً فقلصتيد الموت عدوا عنهم ذلك الظلا
سأندبه دهري وأرثيه جاهداًواكثر فيه من بكائي وإن قلا
ولم لا وقد صاحبته جل مدتيأراه أباً براً ويعتدني نجلا
ولم يرنا في طول مدتنا امرؤفيحسبنا إلا الأقارب والأهلا
وكم أرشدتني في الكتابة كتبهولو زل عن إرشادها خاطري ضلا
وكم مشكلاتٍ لم تبن لمحدقٍإليها جلاها فانجلت عند ما أملى
فمن هذه حالي وحالته معيأيحسن أن أبكي على فقده أم لا
وعهدي به لا أبعد الله عهدهوأقلامه أنى جرت نشرت عدلا
لقد كان لي أنس به وهو نازحكان التنائي لم يفرق لنا شملا
وقد زال ذاك الأنس واعتضت بعدهدموعاً إذا أنشأتها أنشت الوبلا
فلا مدمعي الهامي يجف ولا الأسىيخف جواه إن أقل لهما مهلا
ولا حرقي تخبو وإن يطف وقدهابماء دموعي صار فيها غضاً جزلا
إلى الله أشكو فقد صحب رزئتهموفقد ابن فضل الله قد عدل الكلا
ولم يترك الموت الذي حم منهمحميماً ولا خلى الردى منهم خلا
وعمهم داعي الحمام فأسرعواجميعاً وألغى قولنا فيهم إلا
وكم يرجئ الساري النوى عن رفاقهإذا ركبهم يوماً بدارهم حلا
أيطمع من قد جاز معترك الردىبإبطائه عمن تقدمه؟ كلا
ولا سيما من عاود الداء جسمهيعاوده بدءاً إذا ظنه ولى
عزاءك محيي الدين في الذاهب الذيقضى إذ قضى فرض المناقب والنفلا
فمثلك من يلقى الخطوب بكاهلٍيقل الذي تعيا الجبال له حملا
وفي الصبر أجر أنت تعرف فضلهوآثاره الحسنى فلا تدع الفضلا
وسلم لأمر الله وارض بحكمهتحز منه فضلاً ما برحت له أهلا
ولا زال صوب المزن والعفو دائماًيؤمانه حتى إذا وصلا انهلا

ومن شعر شرف الدين يمدح الملك المنصور قلاوون الألفي:

تهب الألوف ولا تهاب لهمألفاً إذا لاقيت في الصف
ألف وألف في ندى ووغىًفلأجل ذا سموك بالألفي ومنه لما ختن الملك الناصر:
لم يروع له الختان جناناًقد أصاب الحديد منه حديدا
مثل ما تنقص المصابيح بالقطفتزداد في الضياء وقودا وقال:
كتبت والشوق يدنيني إلى أملٍمن اللقاء ويقصيني عن الدار
والحب يضرم فيما بين ذاك وذابين الجوانح أجزاءً من النار

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «فوات الوفيات»