من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)
أبو الهندي الشاعر
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
غالب بن عبد القدوس بن شبث بن ربعي، أبو الهندي؛ كان شاعراً مطبوعاً أدرك الدولتين الأموية والعباسية، وكان جزل الشعر سهل الألفاظ لطيف المعاني، وإنما أخمله وأمات ذكره بعده من العرب ومقامه بسجستان وخراسان ومعاقرة الشراب، وكان يتهم بفساد الدين، واستفرغ شعره في وصف الخمر، وهو أول من وصفها من شعراء الإسلام، فمن ذلك قوله:
سقيت أبا المطوع إذ أتانيوذو الرعثات منتصب يصيح
شراباً يهرب الذبان منهويلثغ حين يشربه الفصيح وقال:
نبهت ندماني وقلت له اصطبحيا ابن الكرام من الشراب الأصهب
صفراء تنزو في الزجاج كأنهاحدق الجرادة أو لعاب الجندب وقال:
مفدمة قزاً كأن رقابهارقاب بنات الماء تفزع للرعد
جلتها الجوالي حين طاب مزاجهاوطينتها بالمسك والعنبر والورد
تمج سلافاً في الأباريق خالصاًوفي كل كأس في يدي حسن قد
تضمنها زق أزب كأنه... صريع من سودان ذو شعر جعد اشتهى أبو هندي الصبوح يوماً فدخل الخمارة فأعطى الخمار ديناراً وجعل يشرب حتى سكر ونام، وجاء قوم يسلمون عليه فوجدوه نائماً، فقالوا للخمار: ألحقنا به، فسقاهم حتى سكروا، وانتبه أبو الهندي فسأل عنهم فعرفه الخمار حالهم، فقال: يا هذا الآن وقت السكر والآن طاب، ألحقني بهم، فسقاه حتى سكر، وانتبهوا فقالوا للخمار: ويحك هو نائم إلى الآن؟ فقال: لا، انتبه وعرفته خبركم وسكر ونام، فقالوا ألحقنا به، فسقاهم حتى سكروا، ولم يزل على ذلك دأبه ودأبهم ثلاثة أيام، ولم يلتقوا وهم في موضع واحد، ثم تركوا الشرب عمداً حتى أفاق فلقوه، وفي ذلك يقول:
ندامى بعد ثالثة تلاقوايضمه بكوه زيان راح
وقد باكرتها فتركت منهاقتيلاً ما أصابتني جراح
فقالوا أيها الخمار من ذا؟فقال أخ تخونه اصطباح
فقالوا: هات راحك ألحقنابه، وتعللوا ثم استراحوا
فما إن لبثتهم أن رمتهمبحد سلاحها ولها سلاح
وحان تنبهي فسألت عنهمفقال أتاحهم قدر متاح
رأوك مجدلاً واستخبرونيفحركهم إلى الشرب ارتياح
فقلت بهم فألحقني فهبوافقالوا هل تنبه حين راحوا
فقال نعم، فقالوا ألحقنابه قد لاح للرائي صباح
فما إن زال ذلك الدأب مناثلاثاً تستهب وتستباح
نبيت معاً وليس لنا التقاءببيت ما لنا منه براح
قال صدقة بن إبراهيم البكري: كاب أبو الهندي يشرب معنا، وكان إذا سكر يتقلب تقلباً قبيحاً في نومه، فكنا كثيراً ما نشد رجليه لئلا يسقط، فسكرنا ليلة في سطح، وشددنا رجله بحبل طويل ليهتدي على القيام لبوله، فتقلب فسقط من السطح فأمسكه الحبل، فبقي معلقاً منكساً، فأصبحنا فوجدناه ميتاً، فمررت على قبره بعد حين فوجدت عليه مكتوباً:
اجعلوا إن مت يوماً كفنيورق الكرم وقبري المعصره
إنني أرجو من الله غداًبعد شرب الراح حسن المغفره
وكان الفتيان يجيئون إلى قبره فيشربون ويصبون القدح إذا وصل إليه على قبره.
ومن شعره:
إذا صليت خمساً كل يومفإن الله يغفر لي فسوقي
ولم أشرك بري الناس شيئاًفقد أمسكت بالحبل الوثيق
وجاهدت العدو ونلت مالاًيبلغني إلى البيت العتيق
فهذا الحق ليس به خفاءدعوني من بنيات الطريق وكانت وفاته في حدود الثمانين والمائة، سامحه الله تعالى.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع