تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

أخبار الجاحظ ونتف من كلامه:

فأما الجاحظ فهو أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب، مولى لأبى القلمّس عمرو بن قلع الكنانىّ ثم الفقيمىّ. وذكر المبرّد أنه ما رأى أحرص على العلم من ثلاثة: الجاحظ، والفتح بن خاقان، وإسماعيل بن إسحاق القاضى؛ فأما الجاحظ فإنه كان إذا وقع فى يده كتاب قرأه من أوله إلى آخره، أىّ كتاب كان. وأما الفتح/ بن خاقان فإنه كان يحمل الكتاب فى خفّه، فإذا قام بين يدى المتوكل للبول أو للصلاة أخرج الكتاب فنظر فيه وهو يمشى حتى يبلغ الموضع الّذي يريده، ثم يصنع مثل ذلك فى رجوعه إلى أن يأخذ

مجلسه. وأما إسماعيل بن إسحاق فإنى ما دخلت عليه قطّ إلّا وفى يده كتاب ينظر فيه، أو يقلّب الكتب لطلب

كتاب ينظر فيه.

قال البلخىّ: تفرّد الجاحظ بالقول بأن المعرفة طباع، وهى مع ذلك فعل للعباد على الحقيقة، وكان يقول فى سائر الأفعال إنها تنسب إلى العباد على أنها وقعت منهم طباعا، وأنها وجبت بإرادتهم، وليس بجائز أن يبلغ أحد فلا يعرف الله تعالى؛ والكفار عنده بين معاند، وبين عارف قد استغرقه حبّه لمذهبه وشغفه به وإلفه وعصبيته؛ فهو لا يشعر بما عنده من المعرفة بخلافه.

وكان الجاحظ ملازما لمحمد بن عبد الملك الزيات، وكان منحرفا عن أحمد بن أبى دؤاد، للعداوة التى كانت بين أحمد ومحمّد، فلما قبض على محمد بن عبد الملك الزيات هرب الجاحظ، فقيل له: لم هربت؟ فقال: خفت أن أكون ثانى اثنين إذ هما فى التنّور! يريد: ما صنع بمحمد بن عبد الملك من إدخاله تنورا فيه مسامير، كان هو صنعه ليعذّب الناس فيه، فعذب به حتى مات.

وروى انه أتى بالجاحظ بعد موت ابن الزيات وفى عنقه سلسلة، وهو مقيّد فى قميص سمل، فلما نظر إليه ابن أبى دؤاد قال: والله ما علمتك إلّا متناسيا للنعمة، كفورا للصنيعة، معدنا للمساوئ، وما فتّنى باستصلاحى لك، ولكنّ الأيام لا تصلح منك لفساد طويّتك، ورداءة دخيلتك، وسوء اختيارك، وغالب طبعك؛ فقال الجاحظ: خفّض عليك أيدك الله! فو الله لأن يكون لك الأمر عليّ خير من أن يكون لى عليك، ولأن أسيء وتحسن أحسن فى الأحدوثة عنك من أن أحسن فتسيء، ولأن تعفو عنى فى حال قدرتك

أجمل بك من الانتقام منى، فقال ابن أبى دؤاد: قبحك الله! فو الله ما علمتك إلّا كثير تزويق اللسان، وقد جعلت بيانك أمام قلبك، ثم اضطغنت فيه النفاق والكفر؛ يا غلام صر به إلى الحمام، وأمط عنه الأذى. فأخذت عند

السلسلة/ والقيد، وأدخل الحمام، وأميط عنه الأذى، وحمل إليه تخت من ثياب وطويلة وخفّ، فلبس ذلك، ثم أتاه فصدّره فى مجلسه، ثم أقبل عليه، وقال: هات الآن حديثك يا أبا عثمان!

وقال المبرّد: سمعت الجاحظ يقول: احذر من تأمن؛ فإنك على حذر ممن تخاف.

وقال الجاحظ: قلت لأبى يعقوب الخريمىّ الشاعر: من خلق المعاصى؟ قال: الله، قلت:

فمن عذّب عليها؟ قال: الله، قلت: فلم؟ قال: لا أدرى والله!

وكان الجاحظ يقول: ينبغى للكاتب أن يكون رقيق حواشى الكلام، عذب ينابيعه، إذا حاور سدّد سهم الصواب إلى غرض المعنى.

وقال: لا تكلّم العامة بكلام الخاصة، ولا الخاصة بكلام العامة.

وقال سوّار بن أبى شراعة: كنت عند الجاحظ، فرآنى أكتب خطا رديئا فى ورق رديء متقارب السطور، فقال لى: ما أحسبك تحبّ ورثتك، فقلت: وكيف ذاك؟ قال:

لأنى أراك تسيء بهم فيما تخلّفه!

وذكر أبو العباس المبرّد قال: سمعت الجاحظ يقول لرجل آذاه: أنت والله أحوج إلى هوان من كريم إلى إكرام، ومن علم إلى عمل، ومن قدرة إلى عفو، ومن نعمة إلى شكر.

وقال المبرّد قال لى الجاحظ يوما: أتعرف مثل قول إسماعيل بن القاسم.

ولا خير فيمن لا يوطّن نفسهعلى نائبات الدّهر حين تنوب
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «ولا خير فيمن لا يوطن نفسه»

فقلت: نعم، قول كثيّر، ومنه أخذ:

فقلت لها يا عزّ كلّ مصيبةإذا وطّنت يوما لها النّفس ذلّت
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «خليلي هذا ربع عزة فاعقلا»

وروى يموت بن المزرّع لخاله عمرو بن بحر الجاحظ فى الجمّاز يهجوه:

نسب الجمّاز مقصور إليه منتهاه

تنتهى الأحساب بالنّاس ولا تعدو قفاه

يتحاجى من أبو الجمّاز فيه كاتباه

ليس يدرى من أبو الجمّاز إلّا من يراه

/ أخبرنا المرزبانىّ قال: أخبرنا عليّ بن هارون قال أنشدنى وكيع قال أنشدنى أبو العيناء قال أنشدنى الجاحظ لنفسه فى الخضاب:

زرت فتاة من بنى هلالفاستعجلت إلى بالسّؤال
للشاعر الجاحظ، من قصيدة «زرت فتاة من بني هلال»
ما لي أراك قانئ السّبالكأنّما كرعت فى جريال
ما يبتغى مثلك من أمثالىتنحّ قدّامى ومن حيالى
للشاعر الجاحظ، من قصيدة «زرت فتاة من بني هلال»

قال سيدنا الشريف المرتضى أدام الله علوّه: قوله: «كأنما كرعت فى جريال» مليح قوىّ، ولا يشبه شعر الجاحظ للينه وضعف كلامه.

وذكر أبو العيناء قال حدثنى إبراهيم بن رياح قال أنشدنى الجاحظ يمدحنى:

بدا حين أثرى بإخوانهففلّل عنهم شباة العدم
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
وذكّره الحزم ريب الزّمانفبادر بالعرف قبل النّدم

قال إبراهيم: فذاكرت بهما أحمد بن أبى دؤاد فقال: قد أنشدنيهما يمدحنى بهما، ثم لقيت محمد بن الجهم فقال: قد أنشدنيهما يمدحنى بهما، وقال يموت بن المزرّع: سمعت خالى الجاحظ يقول: لا أعرف شعرا يفضل قول أبى نواس:

ودار ندامى عطّلوها وأدلجوابها أثر منهم جديد ودارس
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ودار ندامى عطلوها وأدلجوا»
مساحيب من جرّ الزّقاق على الثّرىوأضغاث ريحان: جنىّ ويابس
حبست بها صحبى فجدّدت عهدهموإنى على أمثال تلك لحابس
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ودار ندامى عطلوها وأدلجوا»
ولم أدر من هم غير ما شهدت بهبشرقىّ ساباط الدّيار البسابس
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ودار ندامى عطلوها وأدلجوا»
أقمنا بها يوما ويوما وثالثاويوما له يوم التّرحّل خامس
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ودار ندامى عطلوها وأدلجوا»
تدار علينا الرّاح فى عسجديّةحبتها بأنواع التّصاوير فارس
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ودار ندامى عطلوها وأدلجوا»
قرارتها كسرى وفى جنباتهامها تدريها بالقسىّ الفوارس
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ودار ندامى عطلوها وأدلجوا»
/ فللخمر ما زرّت عليه جيوبهاوللماء ما دارت عليه القلانس

قال الجاحظ: فأنشدتها أبا شعيب القلّال فقال: يا أبا عثمان، لو نقر هذا الشعر لطنّ! قلت: ويلك! ما تفارق الجرار والخزف حيث كنت!.

قال سيدنا أيده الله: أخذ أبو نواس قوله:

ولم أدر من هم غير ما شهدت بهبشرقى ساباط الدّيار البسابس
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ودار ندامى عطلوها وأدلجوا»

من قول أبى خراش الهذلىّ:

ولم أدر من ألقى عليه رداءهسوى أنّه قد سلّ عن ماجد محض
للشاعر أبو الحسن أحمد بن علي البتِّيُّ، اقرأ القصيدة

ويقال إن أبا خراش أوّل من مدح من لا يعرفه، وذاك أن خراش بن أبى خراش أسر هو وعروة بن مرة، فطرح رجل من القوم رداءه على خراش حين شغل القوم بقتل عروة ونجّاه. فلما تفرغوا له قال: أفلت منّى، ويقال: بل رآه فى الأسر رجل من بنى عمه، فألقى عليه رداءه ليجيره به، وقال له: النجاء ويلك! فقال أبو خراش فى ذلك:

حمدت الإله بعد عروة إذ نجاخراش وبعض الشّرّ أهون من بعض
فأقسمت لا أنسى قتيلا رزئتهبجانب قوسى ما مشيت على الأرض
على أنّها تعفو الكلوم وإنّمانوكّل بالأدنى وإن جلّ ما يمضى
ولم أدر من ألقى عليه رداءهسوى أنّه قد سلّ عن ماجد محض
للشاعر أبو الحسن أحمد بن علي البتِّيُّ، اقرأ القصيدة

وأخبرنا أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزبانىّ قال حدثنى إبراهيم بن محمد بن شهاب قال حدثنا أبو الحسن أحمد بن عمر البرذعىّ المتكلم قال: صرت إلى منزل الجاحظ فى أول ما قدمت من بلدى، وقد اعتل علته التى فلج

فيها، فاستأذنت عليه، فخرج إلى خارج من منزله، فقال لى: يقول لك: وما تصنع بشقّ مائل، ولعاب سائل! فانصرفت عنه.

وذكر يموت بن المزرّع قال: وجّه المتوكل فى السنة التى قتل فيها أن يحمل إليه الجاحظ من البصرة، وسأله الفتح ذلك، فوجده لا فضل فيه، فقال لمن أراد حمله: وما تصنع بامرئ ليس بطائل، ذى شقّ/ مائل، ولعاب سائل، وفرج بائل، وعقل زائل، ولون حائل!.

وذكر المبرد قال: سمعت الجاحظ يقول: أنا من جانبى الأيسر مفلوج، فلو قرض بالمقاريض ما علمت، ومن جانبى الأيمن منقرس، فلو مرّ به الذباب لألمت، وبى حصاة لا ينسرح لى البول معها، وأشد ما عليّ ست وتسعون!

وقال يوما لمتطبب يشكو إليه علته: قد اصطلحت الاضداد إلى جسدى، إن أكلت باردا أخذ برجلى، وإن أكلت حارا أخذ برأسى. وتوفى فى سنة خمس وخمسين ومائتين.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مجلس آخر (١١)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.