من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
تأويل آية [: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ
]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً/ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ؛.
فقال: أىّ وجه لتشبيه الذين كفروا بالصائح بالغنم، والكلام يدلّ على ذمّهم ووصفهم بالغفلة وقلّة التأمل والتمييز، والنّاعق بالغنم قد يكون مميّزا متأمّلا محصّلا؟
يقال له فى هذه الآية خمسة أجوبة:
أولها أن يكون المعنى: مثل واعظ الذين كفروا والداعى لهم إلى الإيمان والطاعة كمثل الراعى الّذي ينعق بالغنم وهى لا تعقل معنى دعائه، وإنما تسمع صوته ولا تفهم غرضه؛ والذين كفروا بهذه الصّفة لأنهم يسمعون وعظ النبي صلى الله عليه وآله ودعاءه وإنذاره فينصرفون عن قبول ذلك، ويعرضون عن تأمّله، فيكونون بمنزلة من لم يعقله ولم يفهمه؛ لاشتراكهما فى عدم الانتفاع به. وجائز أن يقوم قوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا مقام الواعظ والداعى لهم؛ كما تقول العرب: فلان يخافك خوف الأسد؛ والمعنى كخوفه الأسد، فأضاف الخوف إلى الأسد وهو فى المعنى مضاف إلى الرجل، قال الشاعر:
فلست مسلّما ما دمت حيّاعلى زيد بتسليم الأمير
أراد بتسليمى على الأمير، ونظائر ذلك كثيرة.
والجواب الثانى أن يكون المعنى: ومثل الذين كفروا كمثل الغنم التى لا تفهم نداء الناعق، فأضاف الله تعالى المثل الثانى إلى الناعق؛ وهو فى المعنى مضاف إلى المنعوق به،
على مذهب العرب فى قولها: طلعت الشّعرى، وانتصب العود على الحرباء، والمعنى وانتصب الحرباء على العود؛ وجاز التقديم والتأخير لوضوح المعنى؛ وأنشد الفرّاء:
إنّ سراجا لكريم مفخرهتحلى به العين إذا ما تجهره
معناه يحلى بالعين؛ فقدّم وأخّر. وأنشد الفراء أيضا:
كانت فريضة ما تقول كماكان الزّنا فريضة الرّجم
المعنى كما كان الرّجم فريضة الزنا، وأنشد أيضا:
وقد خفت حتّى ما تزيد مخافتىعلى وعل فى ذى المطارة عاقل
/ أراد ما تزيد مخافة وعل على مخافتى، ومثله:
كأنّ لون أرضه سماؤه
أراد كأنّ لون سمائه أرضه، ومثله:
ترى الثّور فيها مدخل الظّلّ رأسهوسائره باد إلى الشّمس أجمع
أراد مدخل رأسه الظلّ، وقال الراعى:
فصبّحته كلاب الغوث يؤسدهامستوضحون يرون العين كالأثر
يريد أنهم يرون الأثر كالعين؛ وقال أبو النجم:
قبل دنوّ الأفق من جوزائه
فقلب، وقال العباس بن مرداس:
فديت بنفسه نفسى ومالىولا آلوه إلّا ما يطيق
أراد فديت بنفسى نفسه، وقال ابن مقبل:
ولا تهيّبنى الموماة أركبهاإذا تجاوبت الأصداء بالسّحر
أراد لا أتهيّب الموماة؛ وهذا كثير جدّا.
والجواب الثالث أن يكون المعنى: ومثل الذين كفروا ومثلنا، أو مثلهم ومثلك يا محمد كمثل الّذي ينعق؛ أى مثلهم فى الإعراض ومثلنا فى الدعاء والتنبيه والإرشاد كمثل الناعق بالغنم، فحذف المثل الثانى اكتفاء بالأول؛ ومثله قوله تعالى: وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ؛، أراد الحر والبرد، فاكتفى بذكر الحر من البرد، وقال أبو ذؤيب:
عصيت إليها القلب إنى لأمرهامطيع فما أدرى أرشد طلابها
أراد أرشد أم غىّ، فاكتفى بذكر الرشد لوضوح الأمر.
والجواب الرابع أن يكون المراد: ومثل الذين كفروا فى دعائهم للأصنام التى يعبدونها من دون الله وهى لا تعقل ولا تفهم، ولا تضرّ ولا تنفع كمثل الّذي ينعق دعاء ونداء بما
لا يسمع صوته جملة، والدعاء والنداء على هذا الجواب ينتصبان بينعق، وإلّا توكيد للكلام؛ ومعناها الإلغاء؛ قال الفرزدق:
/ هم القوم إلّا حيث سلّوا سيوفهموضحّوا بلحم من محلّ ومحرم
والمعنى: هم القوم حيث سلّوا سيوفهم.
والجواب الخامس أن يكون المعنى: ومثل الذين كفروا فى دعائهم الأصنام وعبادتهم لها واسترزاقهم إياها كمثل الرّاعى الّذي ينعق بالغنم ويناديها؛ فهى تسمع دعاءه ونداءه ولا تفهم معنى كلامه، فشبّه من يدعوه الكفار من المعبودات دون الله جلّ اسمه بالغنم، من حيث لا تعقل الخطاب ولا تفهمه، ولا نفع عندها فيه ولا مضرّة.
وهذا الجواب يقارب الّذي قبله، وإن كانت بينهما مزيّة ظاهرة؛ لأن الأول يقتضي ضرب المثل بما لا يسمع الدعاء ولا النداء جملة، ويجب أن يكون مصروفا إلى غير الغنم وما أشبهها مما يسمع وإن لم يفهم. وهذا الجواب يقتضي ضرب المثل بما يسمع الدعاء والنداء وإن لم يفهمهما، والأصنام من حيث كانت لا تسمع النداء جملة يجب أن يكون داعيها ومناديها أسوأ حالا من منادى الغنم. ويصحّ أن يصرف إلى الغنم وما أشبهها مما يشارك فى السماع، ويخالف فى الفهم والتمييز.
وقد اختلف الناس فى يَنْعِقُ فقال أكثرهم: لا يقال نعق ينعق إلّا فى الصيّاح بالغنم وحدها؛ وقال بعضهم نعق ينعق بالغنم والإبل والبقر؛ والأول أظهر فى كلام العرب؛ قال الأخطل:
فانعق بضأنك يا جرير فإنّمامنّتك نفسك فى الخلاء ضلالا
ويقال أيضا: نعق الغراب ونغق؛ بالغين المعجمة؛ إذا صلح من غير أن يمدّ عنقه ويحركها؛ فإذا مدها وحرّكها ثم صاح قيل: نعب، ويقال أيضا: نعب الفرس ينعب وينعب نعبا ونعيبا ونعبانا، وهو صوته؛ ويقال: فرس منعب، أى جواد، وناقة نعّابة؛ إذا كانت سريعة.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع