من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
أخبار معن بن زائدة:
وبالإسناد الّذي تقدم عن ابن الأعرابىّ قال: دخل ودفة الأسدىّ على معن بن زائدة الشّيبانىّ فقال: إن رأيت أكرمك الله أن تضعنى من نفسك بحيث وضعت نفسى من رجائك؛ فإنك قد بلغت حالا لو أعتقنى الله فيها بكرمك من تنصّف الرجال بعدك لم يكن كثيرا، وإنّى قد قدّمت الرجاء، وأحسنت الثناء، ولزمت الحفاظ، ثم أنشأ يقول:
يا معن إنك لم تنعم على أحدفشاب نعماك تنغيص ولا كدر
/ فانظر إلى بطرف غير ذى مرضفربّما صحّ لى من طرفك النّظر
أيّام وجهك لى طلق يخبّرنىإذا سكتّ بما تخفى وتضطمر
ومن هواك شفيع ليس يغفلنىوإن نأيت وإن قلّت بى الذّكر
قد كنت أثّرت عندى مرّة أثرافقد تقارب يعفو ذلك الأثر
فاجبر بفضلك عظما كنت تجبرهواجمع بفعلك ما قد كاد ينتشر
ما نازع العسر فىّ اليسر مذ علقتكفّى بحبلك إلّا ظفّر اليسر
وقد خشيت وهذا الدّهر ذو غيربأن يدال لطول الجفوة العسر
وأيّما كان من عسر وميسرةفإنّ حظّك فيه الحمد والشّكر
فقال معن: أوما كنّا أعطيناك شيئا؟ قال: لا، قال: أمّا الذهب والفضّة فليسا عندنا، ولكن هات تختا من ثيابى يا غلام؛ فدفعه إليه، وقد كان تحمّل عليه بابن عيّاش وحبيب بن بديل، فأعطاهما معه تختين، وقال: غرّمتنى يا ودفة تختى ثياب!.
قال سيدنا الشريف أدام الله علوّه: وكان معن بن زائدة جوادا شجاعا شاعرا، ويكنّى أبا الوليد، وهو معن بن زائدة بن عبد الله بن زائدة بن مطر بن شريك بن عمرو بن مطر، وهو أخو الحوفزان بن شريك، وكان معن من أصحاب ابن هبيرة، فلما قتل رثاه معن فقال:
ألا إنّ عينا لم تجد يوم واسطعليك بجارى دمعها لجمود
عشيّة قام النائحات وشقّقتجيوب بأيدى مأتم وخدود
فإن تمس [مهجور الفناء فطالما]أقام به بعد الوفود وفود
فإنك لم تبعد على متعهّدبلى كلّ من تحت التّراب بعيد
أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال أخبرنى يوسف بن يحيى المنجّم عن أبيه قال حدثنى محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثنى أبو زيد بن الحكم بن موسى قال حدثنى أبى قال: كان معن بن زائدة/ من أصحاب يزيد بن عمر بن هبيرة، وكان مستترا، حتى كان يوم الهاشمية، فإنه حضر وهو معتمّ متلثّم، فلما نظر إلى القوم وقد وثبوا على المنصور تقدّم فأخذ بلجام بغلته، ثم جعل يضربهم بالسيف قدّامه، فلما أفرجوا له وتفرّقوا عنه قال له: من أنت ويحك! قال: أنا طلبتك معن بن زائدة. فلما انصرف المنصور حباه وكساه ورتّبه، ثم قلّده اليمن، فلما قدم عليه من اليمن قال له: هيه يا معن! تعطى مروان بن أبى حفصة مائة ألف درهم على أن قال لك:
معن بن زائدة الّذي زيدت بهشرفا على شرف بنو شيبان
إن عدّ أيّام الفعال فإنمايوماه: يوم ندى ويوم طعان
فقال: كلّا يا أمير المؤمنين، ولكن أعطيته على قوله:
ما زلت يوم الهاشمية معلنابالسّيف دون خليفة الرّحمن
فمنعت حوزته، وكنت وقاءهمن وقع كلّ مهنّد وسنان
فقال له: أحسنت يا معن!
وفى خبر آخر أنّه دخل على المنصور، فقال له: ويلك! ما أظنّ ما يقال فيك من ظلمك لأهل اليمن واعتسافك إياهم إلّا حقّا! قال: وكيف ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: بلغنى أنك أعطيت شاعرا كان يلزمك ألفى دينار، وهذا من
السرف الّذي لا شيء مثله، فقال:
يا أمير المؤمنين، إنما أعطيته من فضول مالى وغلّات ضياعى وفضلات رزقى، وكففته عن عرضى، وقضيت الواجب من حقّه عليّ وقصده إلى وملازمته لى، قال:
فجعل أبو جعفر ينكت بقضيب فى يده الأرض ولم يعاوده القول.
وأخبرنا المرزبانىّ قال أخبرنى عليّ بن يحيى عن عبد الله بن أبى سعد الورّاق عن خالد ابن يزيد بن وهب بن جرير عن عبد الله بن محمد المعروف بمنقار من أهل خراسان- وكان من ولاة الرشيد- قال: حدّثني معن بن زائدة قال: كنا فى الصّحابة سبعمائة رجل، فكنا ندخل على المنصور فى كلّ يوم، قال: فقلت للربيع: اجعلنى فى آخر من يدخل عليه، فقال لى:
لست بأشرفهم فتكون فى أولهم، ولا بأخسّهم نسبا فتكون/ فى آخرهم، وإن مرتبتك لتشبه نسبك. قال: فدخلت على المنصور ذات يوم، وعليّ درّاعة فضفاضة، وسيف حنفىّ أقرع بنعله الأرض، وعمامة قد أسدلتها من قدامى وخلفى، فسلّمت عليه وخرجت، فلما صرت عند السّتر صاح بى: يا معن! صيحة أنكرتها، فلبيته فقال: إلى، فدنوت منه، فإذا به قد نزل عن فراشه إلى الأرض، وجثا على ركبتيه، واستلّ عمودا من بين فراشين، واستحال لونه، ودرّت أوداجه، وقال: إنك لصاحبى يوم واسط، لا نجوت إن نجوت منى! قال:
قلت: يا أمير المؤمنين، تلك نصرتى لباطلهم، فكيف نصرتى لحقك؟ قال: فقال لى: كيف قلت؟
فأعدت عليه القول، فما زال يستعيدنى حتى ردّ العمود إلى مستقره، واستوى متربعا، وأسفر لونه وقال: يا معن، إن باليمن هنات، قلت: يا أمير المؤمنين، «ليس لمكتوم رأى» - وهو أول من أرسلها مثلا- فقال: أنت صاحبى، فاجلس، قال: فجلست، وأمر الربيع بإخراج كل من كان فى الدار، وخرج الربيع، فقال لى: إنّ صاحب اليمن قد همّ بالمعصية، وإنى أريد أن آخذه أسيرا، ولا يفوتنى شيء من ماله، قلت: ولّنى اليمن وأظهر أنك قد ضممتنى إليه، ومر الربيع أن يزيح علّتى فى كل ما أحتاج إليه، ويخرجنى فى يومى هذا لئلا ينتشر الخبر، قال: فاستلّ عهدا من بين فراشين، فوقّع فيه اسمى وناولنيه، ثم دعا الربيع فقال:
يا ربيع، إنا قد ضممنا معنا إلى صاحب اليمن، فأزح علّته فيما يحتاج إليه من السلاح
والكراع، ولا يمسى إلّا وهو راحل، قال: ثم ودّعنى فودعته، وخرجت إلى الدّهليز، فلقينى أبو الوالى فقال: يا معن؛ أعزز عليّ أن تضمّ إلى ابن أخيك! قال: فقلت له: إنّه لا غضاضة على الرجل يضمّه سلطانه إلى ابن أخيه. وخرجت إلى اليمن، فأتيت الرجل، فأخذته أسيرا، وقرأت عليه العهد، وقعدت فى مجلسه.
وروى عمر بن شبّة قال: اجتمع عند معن بن زائدة ابن أبى عاصية وابن أبى حفصة والضّمرىّ، فقال: لينشدنى كلّ واحد منكم أمدح بيت قاله فىّ، فأنشده ابن أبى حفصة:
مسحت ربيعة وجه معن سابقالمّا جرى وجرى ذوو الأحساب
/ فقال له معن: الجواد يعثر فيمسح وجهه من العثار والغبار وغيرهما.
وأنشده الضّمرىّ:
أنت امرؤ همّك المعالىودلو معروفك الرّبيع
- ويروى: «ودون معروفك الربيع» -
وشأنك الحمد تشتريهيشيعه عنك ما يشيع
فقال له: ما أحسن ما قلت! إلّا أنك لم تسمّنى ولم تذكرنى، فمن شاء انتحله، وأنشده ابن أبى عاصية:
إن زال معن بنى زياد لم يزللندى إلى بلد بعير مسافر
ففضّله عليهم.
وروى أنّه أتى معن بن زائدة بثلاثمائة أسير، فأمر بضرب أعناقهم، فقال له شاب منهم: يا أخا شيبان، نناشدك الله أن تقتلنا عطاشا! فقال: اسقوهم ماء، فلما
شربوا قال: يا أخا شيبان، نناشدك الله أن تقتل أضيافك! فقال: أطلقوهم.
وذكر أحمد بن كامل أن الخوارج قتلت معن بن زائدة بسجستان فى سنة إحدى وخمسين ومائة.
وروى أن عبد الله بن طاهر كان يوما عند المأمون، فقال له: يا أبا العباس، من أشعر من قال الشعر فى خلافة بنى هاشم؟ قال: أمير المؤمنين أعرف بهذا منى، قال: قل على كلّ حال، قال عبد الله: أشعرهم الّذي يقول فى معن بن زائدة:
أيا قبر معن كنت أوّل حفرةمن الأرض خطّت للسّماحة مضجعا
أيا قبر معن كيف واريت جودهوقد كان منه البرّ والبحر مترعا
بلى قد وسعت الجود والجود ميّتولو كان حيّا ضقت حتّى تصدّعا
والأبيات للحسين بن مطير الأسدىّ، وهى تزيد على هذا المقدار، وأولها:
ألمّا بمعن ثمّ قولا لقبرهسقتك الغوادى مربعا ثمّ مربعا
وفيها:
فتى عيش فى معروفه بعد موتهكما كان بعد السّيل مجراه مرتعا
ولمّا مضى معن مضى الجود وانقضىوأصبح عرنين المكارم أجدعا
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع