من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
أخبار ذى الإصبع العدوانى وحديثه مع بناته الأربع:
ومن المعمّرين ذو الإصبع العدوانىّ، واسمه حرثان بن محرّث بن الحارث بن ربيعة ابن وهب بن ثعلبة بن ظرب بن عمرو بن عياذ بن يشكر بن عدوان. وهو الحارث بن عمرو بن قيس بن عيلان بن مضر.
وإنما سمى الحارث عدوان، لأنه عدا على أخيه؛ فهمّ بقتله، وقيل: بل فقأ عينه، وقيل: إن اسم ذو الإصبع محرّث بن حرثان، وقيل: حرثان بن حويرث، وقيل: حرثان ابن حارثة، ويكنّى أبا عدوان.
وسبب لقبه بذى الإصبع أنّ حية نهشته على إصبعه فشلّت، فسمى بذلك. ويقال:
إنه عاش مائة وسبعين سنة. وقال أبو حاتم: إنه عاش ثلاثمائة سنة.
وهو أحد حكّام العرب فى الجاهلية. وذكر الجاحظ أنه كان أثرم وروى عنه:
لا يبعدن عهد الشباب ولالذّاته ونباته النضر
لولا أولئك ما حفلت متىعوليت فى حرج إلى قبرى
/ هزئت أثيلة أن رأت هرمىوأن انحنى لتقادم ظهرى
وكان لذى الإصبع بنات أربع، فعرض عليهنّ أن يزوّجهنّ فأبين وقلن: خدمتك وقربك أحبّ إلينا. ثم أشرف عليهنّ يوما من حيث لا يرينه، فقلن: لتقل كلّ واحدة منّا ما فى نفسها، فقالت الكبرى:
ألا هل أراها مرّة وضجيعهاأشمّ كنصل السّيف عين مهنّد
عليم بأدواء النّساء وأصلهإذا ما انتمى من سرّ أهلى ومحتدى
ويروى «من أهل سرّى، ومن أصل سرّى ومحتدى».
فقلن لها: أنت تريدين ذا قرابة قد عرفته. ثم قالت الثانية:
ألا ليت زوجي من أناس أولى عدىحديث الشّباب طيّب الثّوب والعطر
ويروى: «أولى غنى».
لصوق بأكباد النّساء كأنّهخليفة جان لا ينام على وتر
ويروى: «لا ينام على هجرى».
فقلن لها: أنت تريدين فتى ليس من أهلك. ثم قالت الثالثة:
ألا ليته يكسى الجمال نديّهله جفنة تشقى بها المعز والجزر
له حكمات الدّهر من غير كبرةتشين؛ فلا فان ولا ضرع غمر
فقلن لها: أنت تريدين سيدا شريفا.
وقلن للرابعة: قولى، فقالت: لا أقول شيئا، فقلن لها: يا عدوة الله، علمت ما فى أنفسنا ولا تعلميننا ما فى نفسك! فقالت: «زوج من عود خير من قعود»؛ فمضت مثلا.
فزوجهنّ أربعهن، وتركهن حولا، ثم أتى الكبرى فقال: يا بنيّة، كيف ترين زوجك؟
قالت: خير زوج، يكرم الحليلة، ويعطى الوسيلة. قال: فما مالكم؟ قالت: خير مال، الإبل نشرب ألبانها جزعا- ويروى: «جرعا»، بالراء غير المعجمة- ونأكل لحمانها مزعا، وتحملنا وضعيفنا معا؛ فقال: يا بنيّة، زوج كريم، ومال عميم.
ثم أتى الثانية فقال: يا بنيّة، كيف زوجك؟ قالت: خير زوج؛ يكرم أهله، وينسى فضله، قال: وما مالكم؟ قالت: البقر تألف الفناء، وتملأ الإناء، وتودك السقاء، ونساء مع النساء، فقال لها: حظيت وبظيت.
ثم أتى الثالثة فقال: يا بنية، كيف زوجك؟ قالت: لا سمح بذر، ولا بخيل حكر
قال: فما مالكم؟ قلت: المعزى، قال: وما هى؟ قلت: لو كنّا نولّدها فطما، ونسلخها أدما- ويروى: «أدما» بالفتح- لم نبغ بها نعما. فقال لها: جذوة مغنية- ويروى:
جدوى مغنية.
ثم أنى الصغرى فقال: كيف زوجك؟ قالت: شرّ زوج؛ يكرم نفسه، ويهين عرسه؛ قال: فما مالكم؟ قالت: شرّ مال، قال: وما هو؟ قالت: الضأن، جوف لا يشبعن، وهيم لا ينقعن، وصمّ لا يسمعن، وأمر مغويتهن يتبعن. فقال أبوها: «أشبه امرؤ بعض بزّه»، فمضت مثلا.
أمّا قول إحدى بناته فى الشعر: «أشمّ»، فالشمم هو ارتفاع أرنبة الأنف وورودها؛ يقال: رجل أشمّ،، وامرأة شماء، وقوم شمّ، قال حسان بن ثابت:
بيض الوجوه كريمة أحسابهمشمّ الأنوف من الطّراز الأوّل
والشّمم: الارتفاع فى كلّ شيء؛ فيحتمل أن يكون حسّان أراد بشمّ الأنوف ما ذكرناه من ورود الأرنبة؛ لأن ذلك عندهم دليل العتق والنجابة. ويجوز أن يريد بذلك الكناية عن نزاهتهم وتباعدهم عن دنايا الأمور ورذائلها؛ وخصّ الأنوف بذلك؛ لأن الحميّة والغضب والأنف فيها؛ ولم يرد طول أنفهم؛ وهذا أشبه بأن يكون مراده؛ لأنه قال: «بيض الوجوه» ولم يرد بياض اللون فى الحقيقة، وإنما كنى بذلك عن نقاء أعراضهم، وجميل أخلاقهم وأفعالهم؛ كما يقول القائل: جاءنى فلان بوجه أبيض، وقد بيّض فلان وجهه بكذا وكذا، وإنما يعنى ما ذكرناه. وقول المرأة: «أشمّ كنصل السيف» يحتمل الوجهين أيضا. وقول حسان «من الطراز الأول»، أى أفعالهم أفعال آبائهم وسلفهم، وأنّهم لم يحدثوا أخلاقا مذمومة لا تشبه نجارهم وأصولهم. وقولها: «عين مهنّد»؛ أى هو المهنّد بعينه، كما يقال: هذا هو بعينه، وعين
الشيء نفسه. وعلى الرواية الأخرى: «غير مهنّد» أى ليس هو السيف المنسوب إلى الهند فى الحقيقة، وإنما هو يشبهه فى مضائه. وقولها: «من سرّ أهلى»، أى من أكرمهم وأخلصهم، يقال: فلان فى سرّ قومه، أى فى صميمهم وشرفهم، وسرّ الوادى: أطيبه ترابا.
والمحتد: الأصل.
وقول الثانية: «أولى عدى» فإنّما معناه أن يكون لهم أعداء، لأنّ من لا عدوّ له هو الفسل الرذل الّذي لا خير عنده، والكريم الفاضل من الناس هو المحسّد المعادى.
وقولها: «لصوق بأكباد النساء» تعنى فى المضاجعة، ويحتمل أن تكون أرادت فى المحبة والمودّة، وكنّت بذلك عن شدّة محبتهن له، وميلهن إليه، وهو أشبه. وقولها:
«كأنه خليفة جان» أى كأنه حيّة للصوقه، والجان: جنس من الحيات، فخفّفت لضرورة الشعر.
وقول الثالثة: «يكسى الجمال نديّه» فالندىّ هو المجلس. وقولها: «له حكمات الدهر» تقول: قد أحكمته التجارب، وجعلته حكيما. فأما الضّرع فهو الضعيف. والغمر:
الّذي لم يجرب الأمور.
وقول الكبرى: «ويكرم الحليلة، ويعطى الوسيلة»، فالحليلة هى امرأة الرجل، والوسيلة الحاجة. وقولها: «نشرب ألبانها جزعا» فالجزع جمع جزعة، وهو الماء القليل يبقى فى الإناء، وقولها: «مزعا»، المزعة: البقية من دسم، ويقال: ما له جزعة ولا مزعة، هكذا ذكر ابن دريد، الضمّ فى جزعة، ووجدت غيره يكسرها فيقول جزعة، وإذا كسرت فينبغى
أن يكون «نشرب ألبانها جزعا» وتكسر المزعة أيضا ليزدوج الكلام، فتقول:
«ونأكل لحمانها مزعا»، قال: المزعة، بالكسر: هى القطعة من الشحم، والمزعة بالكسر أيضا من الرّيش والقطن وغير ذلك، كالمزقة من الخرق، والتّمزيع: التقطيع والتشقيق؛ يقال إنه ليكاد يتمزّع من الغيظ، ومزع الظّبى فى عدوه يمزع مزعا؛ إذا أسرع، وقوله: «مال عميم»:، أى كثير.
وقول الثانية: «تودك السّقاء»، من الودك الّذي هو الدّسم.
وقول الثالثة: «نولّدها فطما»، الفطم: جمع فطيم، وهو المقطوع من الرّضاع. وقولها:
«نسلخها أدما»، فالأدم: جمع إدام، وهو الّذي يؤكل؛ تقول: لو أنا فطمناها عند الولادة وسلخناها للأدم من الحاجة لم نبغ بها نعما. وعلى الرواية الأخرى: أدما، من الأديم.
وقوله: «جذوة مغنية»، فالجذوة: القطعة.
وقول الصغرى: «جوف لا يشبعن»، الجوف: جمع جوفاء، وهى العظيمة الجوف.
والهيم: العطاش، ولا ينقعن؛ أى لا يروين، ومعنى قولها: «وأمر مغويتهنّ يتبعن»، لأنّ القطيع من الضأن يمر على قنطرة فتزلّ واحدة فتقع فى الماء، فيقعن كلّهنّ اتباعا لها، والضأن يوصف/ بالبلادة.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع