من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
أخبار الربيع بن ضبع الفزارىّ:
ومن المعمّرين الربيع بن ضبع الفزارىّ، ويقال إنه بقى إلى أيام بنى أمية. وروى أنّه دخل على عبد الملك بن
مروان فقال له: يا ربيع، أخبرنى عمّا أدركت من العمر والمدى، ورأيت من الخطوب الماضية، قال: أنا الّذي أقول:
ها أنا ذا آمل الخلود وقدأدرك عقلى ومولدى حجرا
فقال عبد الملك: قد رويت هذا من شعرك وأنا صبى، قال: وأنا القائل:
إذا عاش الفتى مائتين عامافقد ذهب اللّذاذة والفتاء
قال: قد رويت هذا من شعرك وأنا غلام، وأبيك يا ربيع، لقد طلبك جدّ غير عاثر، ففصّل لى عمرك، قال: عشت مائتى سنة فى فترة عيسى ﵇، وعشرين ومائة فى الجاهلية، وستين سنة/ فى الإسلام. قال: أخبرنى عن فتية من قريش متواطئى الأسماء، قال: سل عن أيّهم شئت، قال: أخبرنى عن عبد الله بن العباس، قال: فهم وعلم، وعطاء جذم، ومقرى ضخم. قال: فأخبرنى عن عبد الله بن عمر قال: حلم وعلم، وطول كظم، وبعد من الظّلم. قال: فأخبرنى عن عبد الله بن جعفر، قال: ريحانة طيّب ريحها، ليّن مسّها، قليل على المسلمين ضرّها. قال: فأخبرنى عن عبد الله بن الزّبير، قال: جبل وعر، ينحدر منه الصّخر. قال: لله درّك يا ربيع! ما أعرفك بهم! قال: قرب جوارى، وكثر استخبارى.
قال سيدنا الشريف الأجلّ المرتضى أدام الله علوّه: إن كان هذا الخبر صحيحا فيشبه أن يكون سؤال عبد الملك له إنما كان فى أيام معاوية، لا فى أيام ولايته، لأن الربيع يقول فى الخبر:
«عشت فى الإسلام ستين سنة»، وعبد الملك ولى فى سنة خمس وستين من الهجرة، فإن كان صحيحا فلا بد مما ذكرناه؛ فقد روى أن الرّبيع أدرك أيام معاوية؛ ويقال: إن الربيع لما بلغ مائتى سنة قال:
ألا أبلغ بنيّ بنى ربيعفأشرار البنين لكم فداء
بأنّى قد كبرت ودقّ عظمىفلا تشغلكم عنّى النّساء
وإنّ كنائنى لنساء صدقوما آلى بنيّ ولا أساءوا
إذا كان الشّتاء فأدفئونىفإنّ الشيخ يهدمه الشّتاء
وأمّا حين يذهب كلّ قرّفسربال خفيف أو رداء
إذا عاش الفتى مائتين عامافقد ذهب اللّذاذة والفتاء
وقال حين بلغ مائتين وأربعين سنة:
أصبح منّى الشّباب قد حسراإن ينا عنّى فقد ثوى عصرا
ودّعنا قبل أن نودّعهلمّا قضى من جماعنا وطرا
ها أنا ذا آمل الخلود وقدأدرك عقلى ومولدى حجرا
أبا امرئ القيس هل سمعت به!هيهات هيهات طال ذا عمرا
/ أصبحت لا أحمل السّلاح ولاأملك رأس البعير إن نفرا
والذّئب أخشاه إن مررت بهوحدى وأحشى الرّياح والمطرا
من بعد ما قوّة أسرّ بهاأصبحت شيخا أعالج الكبرا
قوله: «عطاء جذم» أى سريع، وكلّ شيء تسرّعت فيه فقد جذمته، وفى الحديث:
«إذا أذّنت فترسّل، وإذا أقمت فاجذم»، أى أسرع. والمقرى: الإناء الّذي يقرى فيه.
وقوله: «فما آلى بنيّ ولا أساءوا»، أى لم يقصّروا، والآلى: المقصّر.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع