من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
أخبار عبد المسيح بن بقيلة الغسانىّ:
ومن المعمّرين عبد المسيح بن بقيلة الغسّانىّ، وهو عبد المسيح بن عمرو بن قيس ابن حيان بن بقيلة، وبقيلة اسمه ثعلبة، وقيل الحارث؛ وإنما سمّى بقيلة لانه خرج فى بردين أخضرين على قومه، فقالوا له: ما أنت إلا بقيلة، فسمى لذلك.
وذكر الكلبىّ وأبو مخنف وغيرهما أنه عاش ثلاثمائة سنة وخمسين سنة، وأدرك الإسلام فلم يسلم، وكان نصرانيّا.
وروى أن خالد بن الوليد لما نزل على الحيرة، وتحصّن منه أهلها أرسل إليهم: ابعثوا إلى رجلا من عقلائكم، وذوى أسنانكم. فبعثوا إليه بعبد المسيح بن بقيلة، فأقبل يمشى
حتى دنا من خالد، فقال له: انعم صباحا أيها الملك! قال: قد أغنانا الله عن تحيّتك هذه، فمن أين أقصى أثرك أيها الشيخ؟ قال: من ظهر أبى، قال: فمن أين خرجت؟ قال من بطن أمى، قال: فعلام أنت؟ قال: على الأرض، قال: ففيم أنت؟ قال: فى ثيابى، قال:
أتعقل- لا عقلت؟ قال: إي والله/ وأقيّد، قال: ابن كم أنت؟ قال: ابن رجل واحد، قال خالد: ما رأيت كاليوم قطّ، إنى أسأله عن الشيء [وينحو فى غيره]، قال: ما أجبتك إلّا عما سألت، فسل عمّا بدا لك.
قال: أعرب أنتم أم نبيط؟ قال: عرب استنبطنا، ونبيط استعربنا، قال: أفحرب أنتم أم سلم؟ قال: بل سلم، قال: فما هذى الحصون؟ قال: بنيناها للسّفيه نحذر منه حتّى يجيء الحليم فينهاه، قال: كم أنى لك؟ قال: ستون وثلاثمائة سنة، قال: فما أدركت؟
قال: أدركت سفن البحر ترفأ فى هذا الجرف، ورأيت المرأة تخرج من الحيرة، وتضع مكتلها على رأسها، لا تزوّد إلّا رغيفا واحدا حتى تأتى الشام، ثم قد أصبحت خرابا يبابا، وذلك دأب الله فى البلاد والعباد.
قال- ومعه سمّ ساعة يقلّبه فى كفّه-: فقال له خالد: ما هذا فى كفّك؟ قال: هذا السّم، قال: ما تصنع به؟ قال: إن كان عندك ما يوافق قومى وأهل بلدى حمدت الله وقبلته، وإن كانت الأخرى لم أكن أول من ساق إليهم ذلّا وبلاء،
أشربه فأستريح من الدنيا، فإنما بقى من عمرى اليسير، قال خالد: هاته، فأخذه ثم قال: بسم الله وبالله رب الأرض والسماء، الّذي لا يضر مع اسمه شيء، ثم أكله، فتجللته غشية، ثم ضرب بذقنه فى صدره طويلا، ثم عرق فأفاق، كأنما أنشط من عقال.
فرجع ابن بقيلة إلى قومه فقال: جئتكم من عند شيطان، أكل سمّ ساعة فلم يضرّه،
صانعوا القوم وأخرجوهم عنكم، فإن هذا أمر مصنوع لهم، فصالحوهم على مائة ألف درهم، وأنشأ ابن بقيلة يقول:
أبعد المنذرين أرى سواماتروّح بالخورنق والسّدير!
[أبعد فوارس النّعمان أرعىمراعى نهر مرّه فالحفير!]
تحاماه فوارس كلّ قوممخافة ضيغم عالى الزّئير
وصرنا بعد هلك أبى قبيسكمثل الشّاء فى اليوم المطير
- يريد أبا قابوس، فصغر، ويروى «كمثل المعز» -
تقسّمنا القبائل من معدّعلانية كأيسار الجزور
نؤدّى الخرج بعد خراج كسرىوخرج من قريظة والنّضير
كذاك الدّهر دولته سجالفيوم من مساة أو سرور
/ ويقال إن عبد المسيح لما بنى بالحيرة قصره المعروف بقصر بنى بقيلة قال:
لقد بنيت للحدثان حصنالو أنّ المرء تنفعه الحصون
طويل الرّأس أقعس مشمخرّالأنواع الرّياح به حنين
ومما يروى لعبد المسيح بن بقيلة:
والنّاس أبناء علّات فمن علمواأن قد أقلّ فمجفوّ ومهجور
وهم بنون لأمّ إن رأوا نشبافذاك بالغيب محفوظ ومخفور
وهذا يشبه قول أوس بن حجر:
بنى أمّ ذى المال الكثير يرونه- وإن كان عبدا- سيّد الأمر جحفلا
وهم لمقلّ المال أولاد علّةوإن كان محضا فى العمومة مخولا
وذكر أنّ بعض مشايخ أهل الحيرة خرج إلى ظهرها يختط ديرا، فلما احتفر موضع الأساس، وأمعن فى الاحتفار أصاب كهيئة البيت، فدخله فإذا رجل على سرير من رخام، وعند رأسه كتابة: «أنا عبد المسيح بن بقيلة.
حلبت الدهر أشطره حياتىونلت من المنى بلغ المزيد
وكافحت الأمور وكافحتنىفلم أحفل بمعضلة كئود
وكدت أنال فى الشّرف الثّريّاولكن لا سبيل إلى الخلود
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع