تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

أخبار النابغة الجعدى وإيراد طائفة من أشعاره:

ومن المعمّرين النابغة الجعدىّ، واسمه قيس بن عبد الله بن عدس بن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر

بن صعصعة، ويكنى أبا ليلى.

وروى أبو حاتم السجستانىّ قال: كان النابغة الجعدىّ أسنّ من النابغة الذّبيانىّ، والدليل على ذلك قوله:

تذكّرت والذّكرى نهيج على الهوىومن حاجة المحزون أن يتذكّرا
نداماى عند المنذر بن محرّقأرى اليوم منهم ظاهر الأرض أقفرا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «خليلي غضا ساعة وتهجرا»
/ كهول وفتيان كأنّ وجوههمدنانير ممّا شيف فى أرض قيصرا

فهذا يدلّ على أنه كان مع المنذر بن محرّق، والنابغة الذّبيانىّ كان مع النعمان بن المنذر ابن محرق.

قوله: «شيف» يعنى جليّ، والمشوف المجلوّ.

ويقال: إن النابغة غبر ثلاثين سنة لا يتكلّم، ثم تكلم بالشعر ومات وهو ابن عشرين ومائة سنة بأصبهان، وكان ديوانه بها، وهو الّذي يقول:

فمن يك سائلا عنّى فإنىمن الفتيان أيام الخنان
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «فمن يك سائلا عني فإني»

- وأيام الخنان: أيام كانت للعرب قديمة، هاج بها فيهم مرض فى أنوفهم وحلوقهم-

مضت مائة لعام ولدت فيهوعشر بعد ذاك وحجّتان
فأبقى الدّهر والأيام منّىكما أبقى من السّيف اليمانى
تفلّل وهو مأثور جرازإذا جمعت بقائمه اليدان
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «فمن يك سائلا عني فإني»

وقال أيضا فى طول عمره:

لبست أناسا فأفنيتهموأفنيت بعد أناس أناسا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «لبست أناسا فأفنيتهم»
ثلاثة أهلين أفنيتهموكان الإله هو المستآسا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «لبست أناسا فأفنيتهم»

معنى المستآس: المعتاض.

وروى عن هشام بن محمد الكلبىّ أنه عاش مائة وثمانين سنة.

وروى ابن دريد عن أبى حاتم فى موضع آخر أن النابغة الجعدىّ عاش مائتى سنة، وأدرك الإسلام، وروى له:

قالت أمامة كم عمرت زمانةوذبحت من عتر على الأوثان!
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «قالت أمامة كم عمرت زمانة»

- العتيرة: شاة تذبح لأصنامهم فى رجب فى الجاهلية-

ولقد شهدت عكاظ قبل محلّهاعنها وكنت أعدّ مل فتيان
والمنذر بن محرّق فى ملكهوشهدت يوم هجائن النّعمان
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «قالت أمامة كم عمرت زمانة»
وعمرت حتى جاء أحمد بالهدىوقوارع تتلى من القرآن
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «قالت أمامة كم عمرت زمانة»
/ ولبست مل إسلام ثوبا واسعامن سيب لا حرم ولا منّان

وله أيضا فى طول عمره:

المرء يهوى أن يعيش وطول عيش ما يضرّه

تفنى بشاشته ويبقى بعد حلو العيش مرّه

وتتابع الأيام حتّى لا يرى شيئا يسرّه

كم شامت بى إن هلكت وقائل لله درّه!

ويروى أن النابغة الجعدىّ كان يفتخر ويقول: أتيت النبي ﵌ فأنشدته:

بلغنا السّماء مجدنا وجدودناوإنّا لنرجو فوق ذلك مظهرا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «خليلي غضا ساعة وتهجرا»

فقال ﵌: «أين المظهر يا أبا ليلى؟ » قلت: الجنة يا رسول الله، فقال: «أجل إن شاء الله»، ثم أنشدته:

فلا خير فى حلم إذا لم تكن لهبوادر تحمى صفوه أن يكدّرا
ولا خير فى جهل إذا لم يكن لهحليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «خليلي عوجا ساعة وتهجرا»

فقال صلى الله عليه وآله: «لا يفضض الله فاك! »، وفى رواية أخرى: «لا يفضض فوك! » فيقال: إن النابغة عاش عشرين ومائة سنة، لم تسقط له سنّ ولا ضرس. وفى رواية أخرى عن بعضهم قال: فرأيته وقد بلغ الثمانين ترفّ غروبه، وكان كلّما سقطت له ثنيّة نبتت له أخرى مكانها، وهو أحسن الناس ثغرا.

معنى ترفّ تبرق، وكأن الماء يقطر منها.

قال المرتضى أدام الله علوّه: ومما يشاكل قوله: «إلى الجنة» فى جواب قول النبي صلى الله عليه وآله: «أين المظهر يا أبا ليلى» - وإن كان يتضمّن العكس من معناه- ما روى من دخول الأخطل على عبد الملك بن مروان، مستغيثا من فعل الجحّاف السّلمىّ، وأنه أنشده:

لقد أوقع الجحّاف بالبشر وقعةإلى الله منها المشتكى والمعوّل
للشاعر الأخطل، من قصيدة «عفا واسط من آل رضوى فنبتل»
/ فإن لم تغيّرها قريش بملكهايكن عن قريش مستماز ومزحل

فقال عبد الملك له: إلى أين يا ابن اللّخناء؟ فقال: إلى النار، قال: لو قلت غيرها لقطعت لسانك.

فقوله: «النار» تخلّص مليح على البديهة، كما تخلّص الجعدىّ بقوله: «إلى الجنة».

وأول قصيدة الجعدىّ الّذي ذكرنا منها الأبيات:

خليلىّ غضّا ساعة وتهجّراولوما على ما أحدث الدهر أو ذرا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «خليلي غضا ساعة وتهجرا»
ولا تسألا، إنّ الحياة قصيرةفطيرا لروعات الحوادث أوقرا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «خليلي غضا ساعة وتهجرا»
وإن كان أمر لا تطيقان دفعهفلا تجزعا مما قضى الله واصبرا
ألم تعلما أنّ الملامة نفعهاقليل إذا ما الشّيء ولى فأدبرا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «خليلي غضا ساعة وتهجرا»
لوى الله علم الغيب عمّن سواءهويعلم منه ما مضى وتأخّرا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «خليلي غضا ساعة وتهجرا»

وفيها يقول:

وجاهدت حتّى ما أحسّ ومن معىسهيلا إذا ما لاح ثمّ تغوّرا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «خليلي غضا ساعة وتهجرا»

- يريد: إنى كنت بالشام، وسهيل لا يكاد يرى هناك، وهذا بيت معنى- وفيها يقول:

ونحن أناس لا نعوّد خيلناإذا ما التقينا أن تحيد وتنفرا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «خليلي عوجا ساعة وتهجرا»
وننكر يوم الرّوع ألوان خيلنامن الطّعن حتّى تحسب الجون أشقرا
وليس بمعروف لنا أن نردّهاصحاحا ولا مستنكر أن تعقّرا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «خليلي غضا ساعة وتهجرا»

وأخبرنا المرزبانىّ قال أنشدنا عليّ بن سليمان الأخفش قال أنشدنا أحمد بن يحيى قال:

أنشدنا محمد بن سلّام وغيره للنابغة الجعدىّ:

تلوم على هلك البعير ظعينتىوكنت على لوم العواذل زاريا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «ألم تسأل الدار الغداة متى هيا»
ألم تعلمى أنى رزئت محاربافمالك منه اليوم شيء ولا ليا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «ألم تسأل الدار الغداة متى هيا»
ومن قبله ما قد رزئت بوحوحوكان ابن أمّى والخليل المصافيا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «ألم تسأل الدار الغداة متى هيا»
فتى كملت أخلاقه غير أنهجواد فما يبقى من المال باقيا
للشاعر الجندل الفزاري، من قصيدة «فتىً كملت أخلاقه غير أنه»
فتى تمّ فيه ما يسرّ صديقهعلى أنّ فيه ما يسوء الأعاديا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «ألم تسأل الدار الغداة متى هيا»

- ويروى: «فتى كان فيه ما يسرّ» -

أشمّ طويل السّاعدين سميدعإذا لم يرح للمجد أصبح غاديا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «ألم تسأل الدار الغداة متى هيا»

السميدع: السيد.

ومما يروى للنابغة الجعدىّ:

عقيليّة أو من هلال بن عامربذى الرّمث من وادى المنار خيامها
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «عقيلية أو من هلال بن عامر»
إذا ابتسمت فى اللّيل واللّيل دونهاأضاء دجى الليل البهيم ابتسامها
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «عقيلية أو من هلال بن عامر»

وذكر الأصمعىّ عن أبى عمرو بن العلاء قال: سئل الفرزدق بن غالب عن الجعدىّ فقال:

صاحب خلقان؛ يكون عنده مطرف بألف دينار، وخمار بواف.

قال الأصمعىّ: وصدق الفرزدق، بينا النابغة فى كلام أسهل من الزلال وأشد من الصخر إذ لان فذهب، ثم أنشد له:

سما لك همّ ولم تطربوبتّ ببثّ ولم تنصب
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «سما لك هم ولم تطرب»
وقالت سليمى أرى رأسهكناصية الفرس الأشهب
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «سما لك هم ولم تطرب»
وذلك من وقعات المنونففيئى إليك ولا تعجبى
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «سما لك هم ولم تطرب»
أتين على إخوتى سبعةوعدن على ربعى الأقرب
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «سما لك هم ولم تطرب»

ثم يقول فيها بعدها:

فأدخلك الله برد الجنان جذلان فى مدخل طيّب
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «سما لك هم ولم تطرب»

فلان كلامه؛ حتى لو كان أبو الشمقمق قال هذا البيت كان رديئا ضعيفا.

قال الأصمعىّ: وطريق الشعر إذا أدخلته فى باب الخير لان، ألا ترى أنّ حسان بن ثابت كان علا فى الجاهلية والإسلام، فلما أدخل شعره فى باب الخير من مراثى النبي صلى الله عليه وآله وحمزة وجعفر ﵉/ وغيرهما لان شعره!

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مجلس آخر (١٦)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.