من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
ما دار بين الفرزدق والحطيئة عند سعيد بن العاص:
وروى أبو العيناء عن العتبىّ قال: دخل الفرزدق إلى سعيد بن العاص، وعنده الحطيئة، فلما مثل بين يديه قال:
/ إليك فررت منك ومن زيادولم أحسب دمى لكما حلالا
فإن يكن الهجاء أحلّ قتلىفقد قلنا لشاعركم وقالا
ترى الغرّ الجحاجح من قريشإذا ما الأمر فى الحدثان عالا
قياما ينظرون إلى سعيدكأنّهم يرون به هلالا
فقال له الحطيئة: هذا والله أيها الأمير الشّعر، لا ما كنّا نعلّل به منذ اليوم، يا غلام أقدمت أمك الحجاز؟ فقال: لا، ولكن قدمه أبى.
أراد الحطيئة بقوله: إن كانت قدمت أمّك الحجاز، فقد وقعت بها، وكنت منّى، وأراد الفرزدق بقوله: «ولكن قدمه أبى» أى وقع بأمك فكنت أنت.
ويشبه ذلك ما روى أنّ الفرزدق كان ينشد شعره يوما، والناس حوله، إذ مرّ به الكميت بن زيد، فقال له الفرزدق: كيف ترى شعرى؟ فقال الكميت: حسن بسن، فقال له الفرزدق:
أيسرّك أنى أبوك، قال: أمّا أبى فلا أريد به بدلا، ولكن يسرّنى أن لو كنت أمى! فقال له
الفرزدق: اكتم هذه على عمك يا ابن أخى فما مرّ بى مثلها.
وقيل إنّ عبد الملك بن مروان ظفر برجل من بنى مخزوم زبيرى الرأى، فقال له لما حضر مجلسه: أليس قد ردّك الله على عقبيك! فقال الرجل: أو من ردّ عليك يا أمير المؤمنين فقد ردّ على عقبيه! فوجم عبد الملك،
وقال موسى بن عيسى بن موسى لشريك: يا أبا عبد الله، عزلوك عن القضاء، وما رأينا قاضيا عزل! فقال شريك: هم الملوك يعزلون ويخلعون- يعرّض أن أباه خلع من ولاية العهد.
وذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى أن المفضّل الضبىّ الرواية وهب لبعض جبرانه أيام الأضحى أضحيّة، فلما لقيه قال: كيف وجدت أضحيّتك؟ قال: ما وجدت لها دما، يعرّض بقول الشاعر:
ولو ذبح الضبّىّ بالسّيف لم تجدمن اللّؤم للضّبّىّ لحما ولا دما
وروى عن المأمون أنه قال: ما أعيانى جواب أحد قطّ مثل جواب ثلاثة: أحدهم أمّ الفضل بن سهل، فإنى عزّيتها عن ابنها وقلت: لئن جزعت على الفضل لأنه ولدك، فها أنا ذا ابنك مكانه/، فقالت: وكيف لا أجزع على من جعل مثلك لى ولدا. والثانى رجل أحضرته يزعم أنّه نبى الله موسى ﵇، فقلت له: إن الله تعالى أخبرنا عن موسى أنّه يدخل يده فى جيبه فيخرجها بيضاء من غير سوء، فقال: متى فعل ذلك موسى؟
أليس بعد أن لقى فرعون! فاعمل كما عمل فرعون، حتى أعمل كما عمل موسى. والثالث أن جماعة من أهل الكوفة اجتمعوا إلى يشكون عاملها، فقلت: ارضوا بواحد أسمع منه، فرضوا برجل منهم، فقال فى العامل وأكثر؛ فقلت له: كذبت! بل هو العفيف الورع العدل؛ فذهب أصحابه يتكلمون فسكّتهم ثم قال: صدقت يا أمير المؤمنين، هو كما ذكرت، فواس بين رعيتك فى العدل، فصرفته عنهم.
ودخل عدىّ بن حاتم بن عبد الله الطائىّ على معاوية، فقال له معاوية: ما فعل الطّرفات؟
يعنى طريفا وطرافا وطرفة، قال: قتلوا مع عليّ بن أبى طالب ﵇، فقال له:
ما أنصفك ابن أبى طالب، قدّم بنيك، وأخّر بنيه، فقال عدىّ: ما أنصفته أنا، أن قتل وبقيت.
وكتب رجل إلى صديق له يقترض منه شيئا، فأجابه يشكو ضيق حاله، فكتب إليه: «إن كنت كاذبا فجعلك الله صادقا، وإن كنت صادقا فجعلك الله كاذبا، وإن كنت معذورا فجعلك الله ملوما، وإن كنت ملوما فجعلك الله
معذورا».
وسمع الأحنف رجلا يقول: ما أحلم معاوية! فقال: لو كان حليما ما سفه الحقّ.
ووصفه رجل عند الشعبىّ بالحلم، فقال الشّعبىّ: ويحك! وهل أغمد سيفه وفى قلبه على أحد شيء!
وقال زياد لرجل حضره: أين منزلك؟ فقال: وسط البصرة، قال: فما لك من الولد؟
قال: تسعة، فقيل لزياد إن داره أقصى البصرة عند المقابر، وله ابن واحد، فقال الرجل:
دارى بين أهل الدنيا والآخرة، فهى وسط البصرة، وكان لى عشر بنين فقدّمت تسعة، فهم لى، وبقى واحد لا أدرى؛ أهو لى أم أنا له!
وقال رجل لابن سيرين: إنّى وقعت فيك فاجعلنى فى حلّ، فقال: ما أحبّ أن أحلّك ممّا حرّم الله عليك.
وخطب الحجاج يوم جمعة فأطال، فقال له رجل: إنّ الصلاة لا تنتظرك، وإن الله لا يعذرك، فأمر به فحبس، فجاءه أهله فشهدوا أنّه مجنون، فقال: إن أقرّ بالجنون أطلقته، فقيل له: اعترف بذلك وتخلّص، فقال: والله لا أقول/ إنّه ابتلانى وقد عافانى.
وحدّث الحسن البصرىّ بحديث فقال له رجل: يا أبا سعيد، عمّن؟ فقال: وما تصنع ب «عمّن»؟ أما أنت فقد نالتك عظته، وقامت عليك حجته.
وقيل لعبد الله بن جعفر- ونظر إليه يماكس فى درهم- فقيل له: أتماكس فى درهم وأنت تجود بما تجود به! فقال: ذاك مالى جدت به، وهذا عقلى بخلت به.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع