تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

من أجوبة أبى العيناء المسكتة:

وروى أنّ أبا العيناء محمد بن القاسم اليمامىّ حدّث بعض الزبيريين بفضائل أهله فقال له: الزّبيرىّ: أتجلب التمر إلى هجر! فقال له أبو العيناء: نعم، إذا أجدبت أرضها، وعاوم نخلها؛ وكان أبو العيناء من أحضر الناس جوابا، وأجودهم بديهة، وأملحهم نادرة.

وروى الصولىّ عن أبى العيناء قال: لما دخلت على المتوكل دعوت له، وكلّمته، فاستحسن خطابى، وقال لى: يا محمد، بلغنى أنّ فيك شرّا، فقلت: يا أمير المؤمنين، إن يكن الشرّ ذكر المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، فقد زكّى الله تعالى وذم، فقال فى التزكية: نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ؛، وقال فى الذم: هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ. مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ. عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ؛، فذمّه الله تعالى حتى قذفه، وقد قال الشاعر:

إذا أنا بالمعروف لم أثن دائباولم أذمم الجبس اللّئيم المذمّما
ففيم عرفت الخير والشّرّ باسمهوشقّ لى الله المسامع والفما!
للشاعر أبو العيناء، اقرأ القصيدة

وإن كان الشرّ كفعل العقرب يلسع النبىّ والذّمى بطبع لا يتميز؛ فقد صان الله عبدك عن ذلك.

[وروى أنه قال له يوما: إلى كم تمدح الناس وتذمّهم؟ فقال: ما أحسنوا وأساءوا].

وروى أن المتوكّل قال له يوما: إنّى لأفرق من لسانك، فقال له: إنّ الشريف فروقة ذو إحجام، وإن اللئيم ذو أمنة وإقدام.

وقال له يوما- وقد دخل عليه: اشتقتك والله يا أبا العيناء، فقال له يا سيّدى؛ إنّما يشتد الشوق على العبد لأنه لا يصل إلى مولاه، فأمّا السّيّد فمتى أراد عبده دعاه.

وروى أنه قال له يوما: ما بقى أحد فى مجلسى إلا اغتابك وذمّك- عند ما جرى من ذكرك- غيرى، فقال أبو العيناء:

/ إذا رضيت عنّى كرام عشيرتىفلا زال غضبانا عليّ لئامها
للشاعر أبو العيناء، من قصيدة «إذا رضيت عني كرام عشيرتي»

وذكر أبو العيناء قال: قال لى المتوكل: كيف ترى دارى هذه؟ فقلت: رأيت الناس بنوا دورهم فى الدنيا، وأمير المؤمنين جعل الدّنيا فى داره.

وقال أبو العيناء: قال لى المتوكل: من أسخى من رأيت؟ ومن أبخل من رأيت؟

فقلت: ما رأيت أسخى من أحمد بن أبى دؤاد، ولا أبخل من موسى بن عبد الملك؛ قال: وكيف وقفت على بخله؟ فقلت: رأيته يحرم القريب كما يحرم البعيد، ويعتذر من الإحسان؛ كما يعتذر من الإساءة؛ فقال: أجئت إلى من اطّرحته فسخيته، وإلى من أمسكته فبخّلته! فقلت: يا أمير المؤمنين، إنّ الصدق ما هو فى موضع من المواضع أنفق منه بحضرتك، والناس يغلطون فيمن ينسبونه إلى السخاء؛ فإذا نسب الناس السخاء إلى البرامكة، فإنما ذاك من سخاء أمير المؤمنين الرشيد، وإذا نسب الناس الحسن ابن سهل، والفضل بن سهل إلى السخاء، فإنما ذاك سخاء أمير المؤمنين المأمون، وإذا نسبوا أحمد بن أبى دؤاد إلى السخاء فذاك سخاء أمير المؤمنين المعتصم، وإذا نسبوا الفتح بن خاقان

وعبيد الله بن يحيى إلى السخاء فإنما هو سخاؤك؛ وإلّا فما بال هؤلاء القوم لم ينسبوا إلى السخاء قبل صحبتهم الخلفاء! فقال لى: صدقت، وسرّى عنه.

وقال له المتوكل: ما أشدّ عليك من ذهاب البصر؟ فقال له: فقد رؤيتك؛ مع إجماع الناس على جمالك.

وقال له يوما: أريدك لمجالستى، قال: لا أطيق ذاك، وما أقول هذا جهلا بما لى فى هذا المجلس من الشرف، ولكن أنا رجل محجوب، والمحجوب تختلف إشارته، ويخفى عليه إيماؤه، ويجوز عليّ أن أتكلّم بكلام غضبان ووجهك راض، وبكلام راض ووجهك غضبان، ومتى لم أميّز بين هاتين هلكت؛ فقال: صدقت.

وروى أنه قال له: لولا أنّك ضرير لنادمتك، فقال: إن أعفيتنى من رؤية الأهلّة، وقراءة نقش الخواتيم فإنى أصلح.

وقال المتوكل: ما تقول فى ابن مكرم والعباس بن رستم؟ فقال: هما الخمر والميسر، وإثمهما أكبر من نفعهما، فقال: بلغنى أنك تودّهما، فقال: لقد ابتعت الضّلال بالهدى، والعذاب بالمغفرة.

وقال له يوما: بلغنى أن سعيد بن عبد الملك يضحك منك، فقال: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ؛ وقال أبو العيناء: قال لى المنصور:

ما أحسن الجواب؟ فقلت: ما أسكت المبطل، وحيّر المحق.

/ وقيل لأبى العيناء: إبراهيم بن نوح النصرانىّ عليك عاتب، فقال: وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ؛. ورآه زرقان وهو يضاحك

نصرانيا فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ؛، فقال أبو العيناء لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ؛.

وأخبرنا أبو الحسن عليّ بن محمد الكاتب قال أخبرنى محمد بن يحيى الصولىّ قال أخبرنا أبو العيناء قال: كان سبب اتصالى بأحمد بن أبى دؤاد أنّ قوما من أهل البصرة عادونى وادّعوا عليّ دعاوى كثيرة؛ منها أنّى رافضىّ، فاحتجت إلى أن خرجت عن البصرة إلى سرّ من رأى، وألقيت نفسى على ابن أبى دؤاد- وكنت نازلا فى داره، أجالسه كلّ يوم- وبلغ القوم خبرى، فشخصوا نحوى إلى سرّ من رأى، فقلت له: إنّ القوم قد قدموا من البصرة يدا عليّ، فقال: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، فقلت: إنّ لهم مكرا، فقال: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ؛، فقلت: هم كثيرون قال:

كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ؛، فقلت: لله درّ القاضى! هو والله كما قال الصّموت الكلابىّ:

لله درّك أىّ جنّة خائفومتاع دنيا أنت للحدثان
للشاعر أبو العيناء، من قصيدة «لله درك أي جنة خائف»
متخمّط تطأ الرّجال غلبةوطء الفنيق دوارج القردان
وتركتهم حتّى كأنّ رءوسهممأمومة تنحطّ للغربان
وتفرّج الباب الشّديد رتاجهحتّى يصير كأنّه بابان

وقال لابنه الوليد: اكتب هذه الأبيات، فكتبها بين يديه.

- قال الصولىّ: حفظى من أبى العيناء الصّموت الكلابىّ على أنه رجل، وقال وكيع؛ حفظى أنها للصّموت الكلابية على أنها امرأة-

ودخل أبو العيناء على الحسن بن سهل، فأثنى عليه، فأمر له بعشرة آلاف درهم، وقال:

والله ما أستكثر كثيرك أيها الأمير، ولا أستقلّ قليلك، قال: وكيف ذاك؟ قال: لا أستكثر كثيرك لأنك أكثر منه، ولا أستقل قليلك لأنه أكثر من كثير غيرك.

وقال له عبيد الله بن يحيى بن خاقان يوما: اعذرنى فإنى مشغول، فقال: إذا فرغت لم أحتج إليك. وقال له يوما: قد تبينت/ فيك الغضب يا أبا عبد الله، فقال له: قد أجلّ الله قدرك من غضبى، إنما يغضب الرجل على من دونه؛ فأما من فوقه فلا، ولكن أحزننى تقصيرك؛ فسمّيت حزنى غضبا.

ويقال إن صاعد بن مخلد كان من أحسن من أسلم دينا، وأكثرهم صلاة وصدقة، فصار إلى بابه أبو العيناء مرات كثيرة بعقب إسلامه فحجب وقيل له: هو مشغول فى صلاته، فقال أبو العيناء: لكل جديد لذة.

ودخل يوما إلى أبى الصقر إسماعيل بن بلبل فى وزارته، فقال له: يا أبا عبد الله، [ما أخّرك عنّا]؟ فقال: سرق حمارى، فقال: وكيف سرق؟ قال: لم أكن مع الّذي سرقه فأخبر بما كان، قال له: هلّا اكتريت أو استعرت أو اشتريت؟ قال: قعد بى عن الشراء نشبى، وكرهت منّة العوارى، وذلّة المكارى، فوهب له حمارا ووصله. وأدناه أبو الصّقر يوما ورفعه فقال: تدنينى حتّى كأنى بعضك، وتبعدنى حتى كأنى ضدّك.

وقال يوما لعبيد الله بن سليمان أيضا- وقد رفعه: إلى كم ترفعنى ولا ترفع بى رأسا! وقال له يوما- وقد سأله عن حاله: أنا معك مغبوط الظاهر، محروم الباطن.

ويقال: إن أبا عليّ البصير قال لأبى العيناء- وكانت بينهما ملاحاة معروفة: فى أىّ وقت ولدت؟ فقال له: قبل طلوع الشمس، فقال أبو عليّ: لذلك خرجت شحاذا سائلا، لأنه الوقت الّذي ينتشر فيه السؤال.

وأخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال أخبرنى محمد بن يحيى الصولىّ قال حدثنى أبو العيناء قال: ما رأيت قطّ أحسن شاهدا عند حاجة من ابن عائشة! قلت له: يوما كان أبو عمرو المخزومىّ يقصدك ثم جفاك، فقال:

فإن تنأ عنّا لا تضرنا وإن تعدتجدنا على العهد الّذي كنت تعلم

وقال: والله لا أدرى لمن هذا البيت، فقلت: إنّ ابن سلّام روى عن يونس أن الفرزدق لما قال:

تصرّم منى ودّ بكر بن وائلوما خلت دهرى ودّهم يتصرّم
قوارص تأتينى فيحتقرونهاوقد يملأ القطر الإناء فيفعم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «تصرم عني ود بكر ابن وائل»

وكان قد نزل عليهم حين هرب من زياد، فقال جرير بن خرقاء العجلىّ يحييه:

/ لقد بوّأتك الدّار بكر بن وائلوردّت لك الأحشاء إذ أنت مجرم
ليال تمنّى أن تكون حمامةبمكّة يغشاها السّتار المحرّم
فإن تنأ عنّا لا تضرنا وإن تعدتجدنا على العهد الّذي كنت تعلم

فقال ابن عائشة: أنت والله يا بنيّ ممن ستصدق فى العلم مخائله، وتكثر عليه دلائله.

وقال أبو العيناء يوما لأبى الصقر بن بلبل وهو زائر: أنت والله تقرب منا إذا احتجنا إليك، وتبعد منا إذا احتجت إلينا.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مجلس آخر (١٩)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.