تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

تأويل آية [: تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ]

إن سأل سائل عن قوله تعالى: تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ؛.

فقال: ما المراد بالنفس فى هذه الآية؟ وهل المعنى فيها كالمعنى فى قوله: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ؛ أو يخالفه؟ وهل يطابق معنى الآيتين والمراد بالنفس فيهما ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله أنّه قال: قال الله تعالى: «إذا أحبّ العبد لقائى أحببت لقاءه، وإذا ذكرنى فى نفسه ذكرته فى نفسى، وإذا ذكرنى فى ملأ ذكرته فى ملأ خير منه، وإذا تقرّب إلى شبرا تقرّبت إليه ذراعا، وإذا تقرّب إلى ذراعا تقربت إليه باعا»، أو لا يطابقه؟

الجواب، قلنا: النفس فى اللغة لها معان مختلفة، ووجوه فى التصرّف متباينة؛ فالنفس نفس الإنسان وغيره من الحيوان، وهى التى إذا فقدها خرج عن كونه حيّا، ومنه قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ؛.

والنّفس ذات الشيء الّذي يخبر/ عنه كقولهم: فعل ذلك فلان نفسه؛ إذا تولّى فعله.

والنفس: الأنفة، من قولهم ليس لفلان نفس، أى لا أنفة له.

والنفس الإرادة، من قولهم نفس فلان فى كذا، أى إرادته؛ قال الشاعر:

فنفساى نفس قالت ايت ابن بحدلتجد فرجا من كلّ غمّى تهابها
ونفس تقول اجهد نجاءك لا تكنكخاضبة لم يغن شيئا خضابها

ومنه أن رجلا قال للحسن: يا أبا سعيد، لم أحجج قطّ، فنفس تقول لى: حجّ، ونفس تقول لى: تزوّج، فقال الحسن: إنّما النفس واحدة، ولكن لك همّ يقول حجّ، وهمّ يقول: تزوّج، وأمره بالحج.

وقال الممزّق العبدىّ- وتروى لمعقّر بن حمار البارقىّ:

ألا من لعين قد نآها حميمهاوأرّقنى بعد المنام همومها
فباتت لها نفسان شتّى همومهافنفس تعزّيها ونفس تلومها

وقال النّمر بن تولب العكلىّ:

أمّا خليلى فإنى لست معجلهحتى يؤامر نفسيه كما زعما
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة
نفس له من نفوس القوم صالحةتعطى الجزيل ونفس ترضع الغنما
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة

أراد أنّه بين نفسين: نفس تأمره بالجود، وأخرى تأمره بالبخل، وكنّى برضاع الغنم عن البخل، لأنّ اللّئيم يرضع اللبن من الشّاة ولا يحلبها؛ لئلا يسمع الضيف صوت الشّخب فيهتدى إليه، ومنه قيل: لئيم راضع؛ وقال كثيّر:

فأصبحت ذا نفسين نفس مريضةمن اليأس ما ينفكّ همّ يعودها
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «لقد هجرت سعدى وطال صدودها»
ونفس ترجّى وصلها بعد صرمهاتجمّل كى يزداد غيظا حسودها
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «لقد هجرت سعدى وطال صدودها»

والنفس العين التى تصيب الإنسان، يقال: أصابت فلانا نفس، أى عين. وروى

أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله كان يرقى فيقول: «بسم الله أرقيك، والله يشفيك، من كلّ داء هو فيك؛ من عين عائن، ونفس نافس، وحسد حاسد».

وقال ابن الأعرابىّ: النّفوس الّذي يصيب الناس بالعين/. وذكر رجلا فقال: كان والله حسودا نفوسا كذوبا. وقال عبيد الله بن قيس الرّقيّات:

يتّقى أهلها النّفوس عليهافعلى نحرها الرّقى والتّميم
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة

وقال مضرّس بن ربعىّ الفقعسيّ:

وإذا نموا صعدا فليس عليهممنّا الخبال ولا نفوس الحسّد
للشاعر مضرس بن ربعي الأسدي، اقرأ القصيدة

وقال ابن هرمة يمدح عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك:

فاسلم سلمت من المكاره والرّدىوعثارها ووقيت نفس الحسّد
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «فاسلم سلمت من المكاره والردى»

والنفس أيضا من الدّباغ بمقدار الدّبغة؛ تقول: اعطنى نفسا من دباغ، أى قدر ما أدبغ به مرة.

والنفس الغيب، يقول القائل: إنّى لأعلم نفس فلان، أى غيبه؛ وعلى هذا تأويل قوله تعالى: تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ، أى تعلم غيبى وما عندى، ولا أعلم غيبك.

وقيل: إنّ النفس أيضا العقوبة، من قولهم: أحذّرك نفسى؛ أى عقوبتى؛ وبعض المفسّرين حمل قوله تعالى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ على هذا المعنى؛ كأنه يحذّركم عقوبته.

وروى ذلك عن ابن عباس والحسن وآخرون؛ قالوا: معنى الآية ويحذركم الله إياه. وقد روى عن الحسن ومجاهد فى قوله تعالى: تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ ما ذكرناه من التأويل بعينه.

فإن قيل: ما وجه تسمية الغيب بأنه نفس؟ قلنا: لا يمتنع أن يكون الوجه فى ذلك أنّ نفس الإنسان لما كانت خفيّة الموضع نزّل ما يكتمه ويجتهد فى ستره منزلتها، وسمّى باسمها، فقيل فيه إنه نفسه، مبالغة فى وصفه بالكتمان والخفاء؛ وإنما حسن أن يقول تعالى مخبرا عن نبيه: وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ من حيث تقدم قوله: تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي؛ ليزدوج الكلام، ولهذا لا يحسن ابتداء أن يقول: أنا لا أعلم ما فى نفس الله تعالى، وإن حسن على الوجه الأول؛ ولهذا نظائر فى الاستعمال مشهورة مذكورة.

فأما الخبر الّذي ذكره السائل فتأويله ظاهر، وهو خارج على مذهب للعرب فى مثل هذا الباب معروف؛ ومعناه أنّ من ذكرنى فى نفسه جازيته على ذكره لى، وإذا تقرّب إلى شبرا جازيته على تقرّبه إلى؛ وكذلك الخبر إلى آخره، فسمّى المجازاة على الشيء باسمه اتساعا، كما قال تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها،؛ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ؛، اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ،؛ وكما قال الشاعر:

ألا لا يجهلن أحد علينافنجهل فوق جهل الجاهلينا
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «ألا هبي بصحنك فاصبحينا»

ونظائر هذا كثيرة فى كلام العرب. ولما أراد تعالى المبالغة فى وصف ما يفعله به من الثواب والمجازاة على تقرّبه بالكثرة والزيادة؛ كنّى عن ذلك بذكر المسافة المتضاعفة فقال: «باعا وذراعا»، إشارة إلى المعنى من أبلغ الوجوه وأحسنها.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.