من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
تأويل آية [: وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً؛.
فقال: إذا كان السّبات هو النوم؛ فكأنه قال: وجعلنا نومكم نوما، وهذا مما لا فائدة فيه.
الجواب، قيل له فى هذه الآية وجوه:
منها أن يكون المراد بالسّبات الراحة والدّعة، وقد قال قوم: إنّ اجتماع الخلق كان فى يوم الجمعة، والفراغ منه فى يوم السبت، فسمّى اليوم بالسبت للفراغ الّذي كان فيه؛ ولأن الله تعالى أمر بنى إسرائيل فيه بالاستراحة من الأعمال؛ قيل: وأصل السّبات التمدّد؛ يقال:
سبتت المرأة شعرها إذا حلّته من العقص وأرسلته، قال الشاعر:
وإن سبتته مال جثلا كأنّهسدى واهلات من نواسج خثعما
أراد: إن أرسلته.
ومنها أن يكون المراد بذلك القطع؛ لأن السبت القطع، والسبت أيضا الحلق؛ يقال:
سبت شعره سبتا إذا حلقه، وهو يرجع إلى معنى القطع، والنعال السّبتيّة التى لا شعر عليها؛ قال عنترة:
بطل كأنّ ثيابه فى سرحة،يحذى نعال السّبت، ليس بتوأم
/ ويقال لكل أرض مرتفعة منقطعة ممّا حولها: سبتاء، وجمعها سباتى، فيكون المعنى على هذا الجواب: جعلنا نومكم سباتا، أى قطعا لأعمالكم وتصرّفكم. ومن أجاب بهذا الجواب يقول: إنما سمّى يوم السبت بذلك لأنّ بدء الخلق كان يوم الأحد؛ وجمع يوم الجمعة، وقطع يوم السبت، فترجع التسمية إلى معنى القطع.
وقد اختلف الناس فى ابتداء الخلق فقال أهل التوراة: إنّ الله تعالى ابتدأه فى يوم الأحد، فكان الخلق فى يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، ثم فرغ فى يوم السبت؛ وهذا قول أهل التوراة.
وقال آخرون: إن الابتداء كان فى يوم الاثنين إلى السبت، وفرغ فى يوم الأحد؛ وهذا قول أهل الإنجيل.
فأما قول أهل الإسلام فهو أن ابتداء الخلق كان فى يوم السبت، واتصل إلى الخميس، وجعلت الجمعة عيدا؛ فعلى هذا القول الأخير يمكن أن يسمّى اليوم بالسبت، من حيث قطع فيه بعض خلق الأرض، فقد روى أبو هريرة عن النبي ﵇ أنه قال: «إن الله تعالى خلق التّربة فى يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد».
ومنها أن يكون المراد بذلك أنّا جعلنا نومكم سباتا ليس بموت؛ لأن النائم قد يفقد من علومه وقصوده وأحواله أشياء كثيرة يفقدها الميت؛ فأراد تعالى أن يمتنّ علينا بأن جعل نومنا الّذي تضاهى فيه بعض أحوالنا أحوال الميت ليس بموت على الحقيقة، ولا بمخرج لنا عن الحياة والإدراك؛ فجعل التأكيد بذكر المصدر قائما مقام نفى الموت، وسادّا مسدّ قوله:
وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ ليس بموت.
ويمكن أن يكون فى الآية وجه آخر لم يذكر فيها، وهو أن السّبات ليس هو كلّ نوم، وإنما هو من صفات النوم إذا وقع على بعض الوجوه، والسّبات هو النوم الممتد الطويل
السكون، ولهذا يقال فيمن وصف بكثرة النوم إنه مسبوت، وبه سبات؛ ولا يقال ذلك فى كلّ نائم، وإذا كان الأمر على هذا لم يجر قوله: وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً مجرى أن يقول: وجعلنا نومكم نوما.
والوجه فى الامتنان علينا بأن جعل نومنا ممتدا طويلا- ظاهر، وهو لما فى ذلك لنا من المنفعة والراحة؛ لأن التهويم والنوم الغرار لا يكسبان شيئا من الراحة؛ بل يصحبهما فى الأكثر القلق والانزعاج، والهموم/ هى التى تقلّل النوم وتنزّره، وفراغ القلب ورخاء البال يكون معهما غزارة النوم وامتداده؛ وهذا واضح.
قال سيدنا الشريف الأجل المرتضى أدام الله علوّه: وجدت أبا بكر محمد بن القاسم الأنبارىّ يطعن على الجواب الّذي ذكرناه أوّلا، ويقول: إن ابن قتيبة أخطأ فى اعتماده؛ لأنّ الراحة لا يقال لها: سبات، ولا يقال: سبت الرجل بمعنى استراح وأراح، ويعتمد على الجواب الّذي ثنّينا بذكره، ويقول فيما استشهد به ابن قتيبة من قولهم سبتت المرأة شعرها: إن معناه أيضا القطع، لأن ذلك إنما يكون بإزالة الشّداد الّذي كان مجموعا به وقطعه.
والمقدار الّذي ذكره ابن الأنبارىّ لا يقدح فى جواب ابن قتيبة؛ لأنه لا ينكر أن يكون السبات هو الراحة والدّعة إذا كانتا عن نوم، وإن لم توصف كل راحة بأنها سبات، ويكون هذا الاسم يخصّ الراحة إذا كانت على هذا الوجه؛ ولهذا نظائر كثيرة فى الأسماء، وإذا أمكن ذلك لم يكن فى امتناع قولهم: سبت الرجل بمعنى استراح فى كل موضع دلالة على أنّ السّبات لا يكون اسما للراحة عند النوم؛ والّذي يبقى على ابن قتيبة أن يبيّن أن السبات هو الراحة والدّعة، ويستشهد على ذلك بشعر أو لغة، فإن البيت الّذي ذكره يمكن أن يكون المراد به القطع دون التمدّد والاسترسال.
فإن قيل: فما الفرق بين جواب ابن قتيبة وجوابكم الّذي ذكرتموه أخيرا؟ قلنا: الفرق بينهما بيّن، لأنّ ابن قتيبة جعل السّبات نفسه راحة، وجعله عبارة عنها، وأخذ يستشهد على ذلك بالتمدّد وغيره، ونحن جعلنا السّبات من صفات النوم، والراحة واقعة عنده للامتداد وطول السكون فيه؛ فلا يلزمنا أن يقال: سبت الرجل بمعنى استراح؛ لأنّ الشيء لا يسمّى بما يقع عنده حقيقة، والاستراحة تقع على جوابنا عند السّبات، وليس السبات إياها بعينها؛ على أن فى الجواب الّذي اختاره ابن الأنبارىّ ضربا من الكلام؛ لأن السّبت وإن كان القطع على ذكره فلم يسمع فيه البناء الّذي ذكره وهو السّبات، ويحتاج فى إثبات مثل هذا البناء إلى سمع عن أهل اللغة، وقد كان يجب أن يورد من أى وجه؛ إذا كان السبت هو القطع جاز أن يقال سبات على هذا المعنى؛ ولم نره فعل/ ذلك.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع