من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
تأويل خبر [«إنّ الميت ليعذّب ببكاء الحىّ عليه»: ]
إن قال قائل: ما تأويل الخبر الّذي روى عن النبي صلى الله عليه وآله: «إنّ الميت ليعذّب ببكاء الحىّ عليه»، وفى رواية أخرى: «إن الميت يعذّب فى قبره بالنّياحة عليه»، وقد روى هذا المعنى المغيرة بن شعبة أيضا فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: «من نيح عليه فإنّه يعذّب بما نيح عليه».
الجواب، إنّا إذا كنا قد علمنا بأدلة العقل التى لا يدخلها الاحتمال ولا الاتساع والمجاز قبح مؤاخذة أحد يذنب غيره، وعلمنا أيضا ذلك بأدلة السمع مثل قوله تعالى: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى؛، فلا بدّ أن نصرف ما ظاهره بخلاف هذه الأدلة إلى ما يطابقها.
والمعنى فى الأخبار التى سئلنا عنها- إن صحّت روايتها- أنه إذا أوصى موص بأن يناح
عليه ففعل ذلك بأمره وعن إذنه فإنّه يعذّب بالنياحة عليه؛ وليس معنى يعذّب بها أنه يؤاخذ بفعل النّواح، وإنما معناه أن يؤاخذ بأمره بها ووصيته بفعلها، وإنما قال صلى الله عليه وآله ذلك لأنّ الجاهلية كانوا يرون البكاء
عليهم والنوح فيأمرون به، ويؤكدون الوصية بفعله وهذا مشهور عنهم؛ قال طرفة بن العبد:
فإن متّ فانعينى بما أنا أهلهوشقّى عليّ الجيب يا أمّ معبد
وقال بشر بن أبى خازم لابنته عميرة:
فمن يك سائلا عن بيت بشرفإنّ له بجنب الرّدة بابا
ثوى فى ملحد لا بدّ منهكفى بالموت نأيا واغترابا
رهين بلى وكلّ فتى سيبلىفأذرى الدّمع وانتجى انتحابا
وقد روى عن ابن عباس فى هذا الخبر أنه قال: وهل ابن عمر، إنما مرّ رسول الله صلى الله عليه وآله على يهودىّ فقال: «إنّكم لتبكون عليه، وإنه ليعذّب فى قبره».
وقد روى إنكار هذا الخبر أيضا عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وآله، وأنها قالت لما أخبرت بروايته: وهل أبو عبد الرحمن كما وهل يوم قليب بدر، إنما قال ﵇: «إن أهل الميت ليبكون عليه، وإنه ليعذب بجرمه» /
قال سيدنا الشريف المرتضى أدام الله علوّه: معنى «وهل» أى ذهب وهمه إلى غير الصواب، يقال وهلت إلى الشيء فأنا أهل وهلا إذا ذهب وهمك إليه، ووهلت عنه أهل وهلا، أى نسيته وغلطت فيه، ووهل الرجل يوهل وهلا إذا فزع، والوهل: الفزع.
فأما «القليب» فهى البئر، والجمع القلب، قال حسان بن ثابت يذكر قتلى بدر من المشركين:
يناديهم رسول الله لماقذفناهم كباكب فى القليب
ألم تجدوا حديثى كان حقّاوأمر الله يأخذ بالقلوب
وقال آخر يبكى على قتلى بدر من المشركين:
فماذا بالقليب قليب بدرمن القينات والشّرب الكرام
وماذا بالقليب قليب بدرمن الشّيزى يكلّل بالسّنام
ومعنى وهله فى ذكر القليب أنه روى أن النبي صلى الله عليه وآله وقف على قليب بدر فقال: «هل وجدتم ما وعد ربّكم حقّا»؟ ثم قال: «إنهم ليسمعون ما أقول»، فأنكر ذلك عليه؛ وقيل إنما قال ﵇: «إنهم الآن ليعلمون أنّ الّذي كنت أقول لهم هو الحق»، واستشهد بقول الله تعالى: إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى؛. وأهل القليب جماعة من قريش؛ منهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة، وغيرهم.
وروى عن عبد الله بن مسعود أنه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم قائما يصلّى بمكة وأناس من قريش فى حلقة، فيهم أبو جهل بن هشام، فقال: ما يمنع أحدكم أن يأتى الجزور التى نحرها آل فلان، فيأخذ سلاها ثم يأتى به حتى إذا سجد وضعه على ظهره؟
قال عبد الله: فانبعث أشقى القوم- وأنا أنظر إليه- فجاوبه حتى وضعه على ظهره، قال عبد الله: فلو كانت لى يومئذ منعة لمنعته. وجاءت فاطمة ﵍ عليه، وهى يومئذ صبية حتى أماطته عن ظهر أبيها ثم جاءت حتى قامت على رءوسهم فأوسعتهم شتما، قال:
فو الله لقد رأيت بعضهم يضحك، حتى إنّه ليطرح نفسه على صاحبه من الضحك، فلما
سلّم النبي صلى الله عليه وآله أقبل على القوم فقال: «اللهمّ عليك بفلان وفلان» /، فلما رأوا النبي صلى الله عليه وآله قد دعا عليهم أسقط فى أيديهم، فو الله الّذي لا إله غيره ما سمّى النبي صلى الله عليه وآله يومئذ أحدا إلّا وقد رأيته يوم بدر، وقد أخذ برجله يجرّ إلى القليب مقتولا.
وقوله: «فيأخذ سلاها» أى جلدتها التى فيها ولدها ما دام فى بطنها، والجميع الأسلاء؛ وقال ابن حبيب: الأسلاء التى فيها الأولاد، قال الأخطل:
ويطرحن بالثّغر السّخال كأنّمايشقّقن بالأسلاء أردية العصب
وقال الشّماخ:
والعيس ذامية المناسم ضمّريقذفن بالأسلاء تحت الأركب
قال الفرّاء. سقط فى أيديهم من الندامة، وأسقط لغتان، وهى بغير ألف أكثر وأجود.
ويمكن أن يكون فى قوله: «يعذّب ببكاء أهله عليه» وجه آخر؛ وهو أن يكون المعنى أن الله تعالى إذا أعلمه ببكاء أهله وأعزّائه عليه وما لحقهم بعده من الحزن والهمّ تألم بذلك؛ فكان عذابا له؛ والعذاب ليس بجار مجرى العقاب الّذي لا يكون إلّا على ذنب متقدّم؛ بل قد يستعمل كثيرا بحيث يستعمل الألم والضرر؛ ألا ترى أنّ القائل قد يقول لمن ابتدأه بالضرر والألم: قد عذّبتنى بكذا وكذا؛ كما يقول: أضررت بى وآلمتني؛ وإنما لم يستعمل العقاب حقيقة فى الآلام المبتدأة من حيث كان اشتقاق لفظه من المعاقبة، التى لا بد من تقدم سبب لها، وليس هذا فى العذاب.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع