تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

تأويل خبر آخر [: «ما من أحد يدخله عمله الجنة، وينجيه من النار»]

إن سأل سائل عن الخبر الّذي يرويه أبو هريرة عن النبي ﵇ أنه قال: «ما من أحد يدخله عمله الجنة، وينجيه من النار»، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا؛ إلّا أن يتغمّدنى الله برحمة منه وفضل»، يقولها ثلاثا.

فقال: أوليس فى هذا دلالة على أنّ الله تعالى يتفضّل بالثواب، وأنه غير مستحق عليه؟

ومذهبكم بخلاف ذلك.

الجواب، قلنا: فائدة الخبر ومعناه بيان فقر المكلّفين إلى الله تعالى، وحاجتهم إلى ألطافه وتوفيقاته ومعوناته، وأنّ العبد لو أخرج إلى نفسه، وقطع الله تعالى موادّ المعونة واللطف عنه لم يدخل/ بعمله الجنة، ولا نجا من النار؛ فكأنه ﵇ أراد أنّ أحدا لا يدخل الجنة بعمله الّذي لم يعنه الله تعالى عليه، ولا لطف له فيه، ولا أرشده إليه؛ وهذا هو الحق الّذي لا شبهة فيه؛ فأما الثواب فما نأبى القول بأنه تفضّل؛ بمعنى أنّ الله تعالى تفضّل بسببه الّذي هو التكليف، ولهذا نقول: إنه لا يجب على الله تعالى شيء ابتداء، وإنما يجب عليه ما أوجبه على نفسه، فالثواب مما كان أوجبه على نفسه بالتكليف؛ وكذلك التمكين والإلطاف، وكل ما يجلبه ويوجبه التكليف، ولولا إيجابه له على نفسه بالتكليف لما وجب.

فإن قيل: فقد سمى الرسول ما يفعل به فضلا فقال: «إلّا أن يتغمّدنى الله برحمة منه وفضل»، قلنا هذا يطابق ما ذكرناه، لأنّ الرحمة النعمة والثواب نعمة، وهو يفضّل من الوجه الّذي ذكرناه، وإن حملنا قوله ﵇: «برحمة منه وفضل» على ما يفعل به من الألطاف والمعونات فهى أيضا فضل وتفضّل لأنّ سببها غير واجب.

فأما قوله ﵊: «يتغمدنى» فمعناه يسترنى، يقال غمدت السيف فى غمده إذا سترته، قال الشاعر:

نصبنا رماحا فوقها جدّ عامركظلّ السّماء، كلّ أرض تغمّدا
للشاعر تميم بن أبي، اقرأ القصيدة

فالجدّ هاهنا: الحظ، وشبّه ما قسم لعامر من الغلبة والظفر بظلّ السماء الّذي يستر كلّ شيء، ويظهر عليه.

أخبرنا أبو القاسم عبيد الله بن عثمان بن يحيى بن جنيقا قال أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد الحكيمىّ قراءة عليه قال أملى علينا أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب النحوىّ قال أخبرنا ابن الأعرابى قال: يقال للقوم إذا دعوت عليهم: بهرهم الله، والمبهور هو المكروب، وأنشدنا:

أبرزوها مثل المهاة تهادىبين خمس كواعب أتراب
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «قال لي صاحبي ليعلم ما بي»
ثمّ قالوا: تحبّها؟ قلت: بهراعدد الرّمل والحصى والتّراب
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «قال لي صاحبي ليعلم ما بي»

قال سيدنا أدام الله أيامه: وقد قيل فى معنى قوله: «بهرا» غير هذا الوجه.

أخبرنا أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزبانىّ قال أخبرنى محمد بن يحيى الصولىّ قال حدثنا القاسم بن إسماعيل/ قال حدثنا التّوزىّ عن أبى عمرو الأسدىّ قال سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: عمر ابن أبي ربيعة حجّة فى العربية، وما أخذ عليه شيء إلا قوله:

ثم قالوا: تحبها؟ قلت: بهرا

وله فيه عذر إن أراد الخبر لا الاستفهام، كأنهم قالوا: أنت تحبها؛ على وجه الإخبار منهم لا الاستفهام، فوكّد هو إخبارهم بجوابه، فهذا حسن. و «بهرا» يجوز أن يكون أراد:

نعم حبّا بهرنى بهرا، ويكون أيضا بمعنى «عقرا وتعسا»، دعاء عليهم إذ جهلوا من حبّه لها ما لا يجهل مثله، وأنشد أبو عمرو:

لحا الله قومى إذ يبيعون مهجتىبجارية، بهرا لهم بعدها بهرا

قال أبو عمرو: ويكون «بهرا» بمعنى «ظاهرا»؛ يريد حبّا ظاهرا، من قولهم: قمر باهر، وقد روى بعض الرواة أنه قال:

قيل لى: هل تحبها؟ قلت: بهرا

والرواية الأولى هى المشهورة، ولعلّ من روى ذلك فرّ بهذه الرواية من اللّحن.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مجلس آخر (٢٣)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.