من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
تأويل آية أخرى [: فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ؛
فقال: ما الفائدة فى قوله: مِنْ فَوْقِهِمْ؛ وهو لا يفيد إلا ما يفيده قوله: فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ؛ لأنّ مع الاقتصار على القول الأول لا يذهب وهم أحد إلى أن السقف يخرّ من تحتهم؟
الجواب، قيل له فى ذلك أجوبة:
أولها: أن يكون «على» بمعنى «عن»، فيكون المعنى: فخرّ عنهم السقف من فوقهم؛ أى خرّ عن كفرهم وجحودهم بالله تعالى وآياته، كما يقول القائل: اشتكى فلان عن دواء شربه، وعلى دواء شربه، فيكون «على» و «عن» بمعنى من أجل الدّواء؛ كذلك يكون معنى الآية فخرّ من أجل كفرهم السّقف من فوقهم؛ قال الشاعر:
أرمى عليها وهى فرع أجمعوهى ثلاث أذرع وإصبع
أراد: أرمى عنها؛ لأن كلام العرب: رميت عن القوس، فأقام «على» مقام «عن»، ولو أنه قال تعالى على هذا المعنى: فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ، ولم يقل مِنْ فَوْقِهِمْ جاز أن يتوهم متوهم أن السقف خرّ وليس هم تحته.
وثانيها: أن يكون «على» بمعنى اللام؛ والمراد: فخر لهم السقف؛ فإن «على» قد تقام مقام اللام؛ وحكى عن العرب: ما أغيظك عليّ! وما أغمّك عليّ! يريدون: ما أغيظك، وما أغمّك لى!، قال الطّرمّاح يصف ناقة:
كأنّ مخوّاها على ثفناتهامعرّس خمس وقّعت للجناجن
أراد: وقّعت على الجناجن؛ وهى عظام الصدر، فأقام اللام مقام «على».
وقد يقول القائل أيضا: تداعت على فلان داره، واستهدم عليه حائطه، ولا يريد أنه كان تحته؛ فأخبر تعالى بقوله: مِنْ فَوْقِهِمْ عن فائدة؛ لولاه ما فهمت. ولا جاز أن يتوهّم متوهّم فى قوله تعالى: فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ ما يتوهمه من قوله: خرب عليه ربعه، ووقفت عليه دابته، وأشباه ذلك.
وللعرب فى هذا مذهب ظريف لطيف؛ لأنهم لا يستعملون لفظة «على» فى مثل هذا الموضع إلا فى الشرّ والأمر المكروه الضارّ، ويستعملون اللام وغيرها فى خلاف ذلك؛ ألا ترى أنهم لا يقولون: عمرت على فلان ضيعته، بدلا من قولهم: خربت عليه ضيعته، ولا ولدت عليه جاريته؛ بل يقولون: عمرت له ضيعته، وولدت له جاريته؛ وهكذا من شأنهم إذا قالوا: «قال عليّ»؛ و «روى عليّ»؛ فإنه يقال فى الشرّ والكذب، وفى الخير والحق؛ يقولون: «قال عنّى» و «روى عنّى»؛ ومثل ذلك قوله تعالى: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ؛، لأنهم لما أضافوا الشّرّ والكفر إلى ملك سليمان حسن أن يقال: «يتلون عليه»، ولو كان خيرا لقيل عنه، ومثله وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ؛، وقوله: أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ،؛ وقال الشاعر:
عرضت نصيحة منّى ليحيىفقال: غششتنى، والنّصح مرّ
وما بى أن أكون أعيب يحيىويحيى طاهر الأخلاق برّ
ولكن قد أتانى أنّ يحيىيقال عليه فى بقعاء شرّ
فقلت له: تجنّب كلّ شيءيعاب عليك، إنّ الحرّ حرّ
ومثله قول الفرزدق فى عنبسة بن معدان المعروف بعنبسة الفيل- وقد كان يتتبّع شعره ويخطّئه ويلحّنه:
لقد كان فى معدان والفيل زاجرلعنبسة الراوى عليّ القصائدا
فقال: «عليّ» ولم يقل: «عنّى» للمعنى الّذي ذكرناه.
وثالث الوجوه أن يكون مِنْ فَوْقِهِمْ تأكيدا للكلام وزيادة فى البيان، كما قال تعالى:
وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ؛، والقلب لا يكون إلّا فى الصدر؛ ونظائر ذلك فى الكتاب وكلام العرب كثيرة.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع