تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

تأويل خبر [: «إنّ هذا القرآن مأدبة الله

]

إن سأل سائل عن الخبر الّذي يرويه نافع عن أبى إسحاق الهجرىّ عن أبى الأحوص، عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله أنّه قال: «إنّ هذا القرآن مأدبة الله، فتعلّموا مأدبته ما استطعتم؛ وإنّ أصفر البيوت لجوف أصفر من كتاب الله تعالى»

فقال: ما تأويله؟ وكيف بيان غريبه؟.

الجواب؛ قلنا: المأدبة فى كلام العرب هى الطعام، يصنعه الرجل ويدعو/ الناس إليه؛ فشبه النبىّ صلى الله عليه

وآله ما يكتسبه الإنسان من خير القرآن ونفعه وعائدته عليه إذا قرأه وحفظه؛ بما يناله المدعوّ من طعام الداعى وانتفاعه به؛ يقال: قد أدب الرجل يأدب فهو آدب؛ إذا دعا الناس إلى طعامه. ويقال للمأدبة المدعاة؛ وذكر الأحمر أنه يقال فيها أيضا:

مأدبة، بفتح الدال؛ قال طرفة:

نحن فى المشتاة ندعو الجفلىلا ترى الآدب فينا ينتقر
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «أصحوت اليوم أم شاقتك هر»

ومعنى «الجفلى» أنه عمّ بدعوته ولم يخصّ بها قوما دون قوم، والنّقرى إذا خصّ بها بعضا دون بعض، ومعنى «ينتقر» من النّقرى؛ قال بعض هذيل:

وليلة يصطلى بالفرث جازرهايختصّ بالنّقرى المثرين داعيها
للشاعر جنوب الهذلية، اقرأ القصيدة
لا ينبح الكلب فيها غير واحدةعند الصّباح ولا تسرى أفاعيها

معنى «يصطلى بالفرث جازرها» أن الجازر إذا شقّ فيها الكرش أدخل يده لشدّة البرد فى الفرث مستدفئا به. ومعنى: «يختصّ بالنّقرى المثرين داعيها»؛ أنه يخصّ بدعائه إلى طعامه الأغنياء الذين يطمع من جهتهم فى المكافأة، وقال الآخر:

قالوا ثلاثاؤه خصب ومأدبةفكلّ أيّامه يوم الثّلاثاء

وقال الهذلىّ يصف عقابا:

كأنّ قلوب الطّير فى جوف وكرهانوى القسب يلقى عند بعض المآدب
للشاعر صخر الغي، من قصيدة «لعمر أبي عمرو لقد ساقه المنا»

أراد جمع مأدبة.

وقد روى هذا الحديث بفتح الدال «مأدبة»، وقال الأحمر: المراد بهذه اللفظة مع الفتح هو المراد بها مع الضمّ.

وقال غيره: المأدبة، بفتح الدال «مفعلة» من الأدب؛ معناه أنّ الله تعالى أنزل القرآن أدبا للخلق، وتقويما لهم، وإنما دخلت الهاء فى مأدبة ومأدبة، والقرآن مذكّر، لمعنى المبالغة؛ كما قالوا: هذا شراب مطيبة للنفس؛ وكما قال

عنترة:

والكفر مخبثة لنفس المنعم

وجرى ذلك مجرى قولهم: رجل علّامة ونسّابة/ فى باب المدح على جهة التشبيه بالداهية، ورجل هلباجة فى باب الذم على جهة التشبيه بالبهيمة.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مجلس آخر (٢٤)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.