تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

تأويل آية [: فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ]

إن سأل سائل عن قوله تعالى: فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ؛.

فقال: ما الفائدة فى قوله: ما غَشِيَهُمْ، وقوله: غَشِيَهُمْ يدل عليه، ويستغنى به عنه، لأن غَشِيَهُمْ لا يكون إلّا الّذي غشيهم، وما الوجه فى ذلك؟

قلنا: قد ذكر/ فى هذا أجوبة:

أحدها أن يكون المعنى: فغشيهم من اليمّ البعض الّذي غشيهم، لأنه لم يغشهم جميع مائه، بل غشيهم بعضه، فقال

تعالى: ما غَشِيَهُمْ؛ ليدل على أنّ الّذي غرّقهم بعض الماء، وأنّهم لم يغرقوا بجميعه؛ وهذا الوجه حكى عن الفرّاء، وذكره أبو بكر الأنبارىّ، واعتمده، وغيره أوضح منه.

واليم هو البحر، قال الشاعر:

وبنى تبّع على اليمّ قصراعاليا مشرفا على البنيان

وثانيها أن يكون المعنى: فغشيهم من اليم ما غشى موسى وأصحابه؛ وذلك أن موسى ﵇ وأصحابه، وفرعون وأصحابه سلكوا جميعا البحر، وغشيهم كلّهم؛ إلّا أنّ فرعون وقومه لمّا غشيهم غرّقهم، وموسى ﵇ وقومه جعل لهم فى البحر طريق يبس، فقال تعالى:

فغشى فرعون وقومه من ماء اليم ما غشى موسى وقومه، فنجا هؤلاء، وهلك هؤلاء.

وعلى هذا الوجه والتأويل تكون الهاء فى قوله: ما غَشِيَهُمْ كناية عن غير من كنّى عنه بقوله: فَغَشِيَهُمْ؛ لأن الأولى كناية عن فرعون وقومه، والثانية كناية عن موسى وقومه.

وثالثها أنه غشيهم من عذاب اليمّ وإهلاكه لهم ما غشى الأمم السالفة من العذاب

والهلاك عند تكذيبهم أنبياءهم، وإقامتهم على ردّ أقوالهم والعدول عن إرشادهم، والأمم السالفة؛ وإن لم يغشهم العذاب والإهلاك من قبل البحر، فقد غشيهم عذاب وإهلاك استحقوهما بكفرهم وتكذيبهم أنبياءهم، فشبّه بينه وبين هؤلاء من حيث اشتمال العذاب على جميعهم عقوبة على التكذيب.

ورابعها أن يكون المعنى: فغشيهم من قبل اليم ما غشيهم من العطب والهلاك؛ فتكون لفظة غَشِيَهُمْ الأولى للبحر والثانية للهلاك والعطب اللذين لحقاهم من قبل البحر.

ويمكن فى الآية وجه آخر لم يذكر فيها، يليق بمذاهب العرب فى استعمال مثل هذا اللفظ، وهو أن تكون الفائدة فى قوله تعالى: ما غَشِيَهُمْ تعظيم الأمر وتفخيمه؛ كما يقول القائل:

فعل فلان ما فعل، وأقدم على ما أقدم، إذا أراد التفخيم وكما قال تعالى: وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ؛، وما يجرى/ هذا المجرى؛ ويدخل فى هذا الباب قولهم للرجل: هذا هذا، وأنت أنت. وفى القوم: هم هم؛ قال الهذلىّ:

رفونى وقالوا: يا خويلد لا ترعفقلت، وأنكرت الوجوه: هم هم
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة

وقال أبو النجم:

أنا أبو النّجم، وشعرى شعرى

كل ذلك أرادوا تعظيم الأمر وتكبيره:

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مجلس آخر (٢٤)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.