من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
أخبار متفرقة عن الأصمعىّ وحضور ذهنه عند إنشاء الشعر:
أخبرنا أبو الحسن على بن محمد الكاتب قال أخبرنا ابن دريد قال أخبرنا أبو حاتم قال:
كنّا فى مجلس الأصمعىّ إذ أقبل أعرابىّ فقال: أين عميدكم؟ فأشرنا إلى الأصمعىّ، فقال له:
ما معنى قول الشاعر:
لا مال إلّا العطاف تؤزرهأمّ ثلاثين وابنة الجبل
لا يرتقى النزّ فى ذلاذلهولا يعدّى نعليه من بلل
فقال الأصمعىّ:
عصرته نطفة تضمّنهالصب تلقّى مواضع السّبل
أو وجبة من جناة أشكلةإن لم يرغها بالقوس لم تنل
قال: فأدبر الأعرابىّ وهو يقول: لم أر كاليوم عضلة.
قال ابن دريد: إنما وصف رجلا خائفا فى رأس جبل؛ يقول: لا مال له إلّا العطاف- وهو السّيف- تؤزره أمّ ثلاثين؛ يعنى كنانة فيها ثلاثون سهما. وابنة الجبل؛ يعنى القوس، لأنها تعمل من شجر الجبال مثل النّبع وغيره.
وقوله: «لا يرتقى النّزّ فى ذلاذله»، لأنه فى رأس جبل؛ فلا نزّ هناك يتعلق بما يفضل من ثيابه، ولا بلل يعدّى نعليه عنهما.
والعصرة: الملجأ. والنّطفة: الماء المجتمع فى صخر أو غيره من بقيّة ماء المطر. واللّصب:
الشّق فى الجبل أضيق من اللهب وأوسع من الشّعب. والسّبل: المطر.
والوجبة: أن يأكل كلّ يوم مرة. والأشكل: السّدر الجبلىّ، واحده أشكلة؛ يقول:
فهذه النطفة والوجبة من الأشكلة/ عصرتاه. وقوله: «إن لم يرغها بالقوس»؛ يعنى أنها لا تنال باليد حتى تحرّك بالقوس.
قال سيدنا أدام الله علوّه: وإنما جعل الأصمعىّ إنشاد باقى الأبيات دلالة على معرفة معناها؛ لأنه يبعد أن يعرفها ولا يعرف معناها، والأعرابىّ إنما سأل عن المعنى، فأقام إنشاده لها مقام تفسيرها، واستغنى الأعرابى بذلك وعلم بإتمامه للأبيات معرفته بمعانيها.
وكان الأصمعى كثيرا إذا أنشد شيئا من الشعر ينشد فى معناه فى الحال، فمن ذلك أن إسحاق بن إبراهيم الموصلىّ أنشده يوما لنفسه:
إذا كانت الأحرار أصلي ومنصبىوقام بنصرى خازم وابن خازم
عطست بأنف شامخ وتناولتيداى الثّريّا قاعدا غير قائم
قال: فلما فرغت من إنشادهما أنشد بعقب ذلك:
ألا أيّها السائلى جاهلاليعرفنى، أنا أنف الكرم
نمت فى الكرام بنى عامرفروعى وأصلي قريش العجم
قال: فجاء والله بالشّعر الّذي نحوته وعملت بيتىّ عليه.
وأخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدثنا محمد بن يحيى الصولىّ قال حدثنا عون بن محمد قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: ما أنشدت الأصمعىّ شيئا قط إلا أنشدنى مثله؛ كأنه أعدّه لى، فأنشدته يوما للأعشى:
علّقتها عرضا وعلّقت رجلاغيرى وعلّق أخرى غيرها الرّجل
فأنشدنى من وقته:
قتلتك أخت بنى لؤى إذ رمتوأصاب نبلك إذ رميت سواها
وأعارها الحدثان منك مودّةوأعار غيرك ودّها وهواها
وذكر أبو العيناء قال: كان الأصمعىّ إذا سمع إنسانا ينشد شعرا فى معنى أنشد فى ذلك المعنى من غير أن يريه أنه أراده، فأنشده رجل قول القطامىّ:
/ والناس من يلق خيرا قائلون لهما يشتهى، ولأمّ المخطئ الهبل
فأنشد هو قول قعنب الفزارىّ:
فمن يلق خيرا يحمد النّاس أمرهومن يغو لا يعدم على الغىّ لائما
وروى ميمون بن هارون قال: سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول: أنشدت الأصمعىّ قول الأعشى، طلبا أن ينشدنى مثله- وكان مع بخله بالعلم لا يضنّ بمثل هذا:
إن تركبوا فركوب الخيل عادتناأو تنزلون فإنّا معشر نزل
فأنشدنى لربيعة بن مقروم الضبىّ.
ولقد شهدت الخيل يوم طرادهابسليم أو ظفة القوائم هيكل
فدعوا نزال، فكنت أوّل نازلوعلام أركبه إذا لم أنزل!
وروى عن إسحاق بن إبراهيم أيضا أنه قال: دخل يوما إلى الأصمعىّ، وعندى أخ
للعمانىّ الراجز، حافظ رواية، فلما دخل عبث به أخو العمانى [، فقال له: من هذا؟ قال: هو الباهلىّ الّذي يقول]:
فما صحفة مأدومة بإهالةبأطيب من فيها ولا أقط رطب
فقال له قبل أن يستتم كلامه: هو على كلّ حال أصلح من قول أخيك العمانىّ:
يا ربّ جارية حوراء ناعمةكأنّها عومة فى جوف راقود
قال إسحاق: فقلت له: أكنت أعددت هذا الجواب؟ قال: لا، ولكن ما مرّ بى شيء إلا وأنا أعرف منه طرفا.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع