تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

تأويل آية [: أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا

]

إن سأل سائل عن قوله تعالى: أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا/ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ؛.

فقال: أىّ تمدّح فى سرعة الحساب، وليس بظاهر وجه المدحة فيه؟.

الجواب، قلنا فى ذلك وجوه:

أولها أن يكون المعنى أنّه سريع المجازاة للعباد على أعمالهم، وأنّ وقت الجزاء قريب وإن تأخر، ويجرى مجرى قوله تعالى: وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ؛.

وإنما جاز أن يعبّر عن المجازاة أو الجزاء بالحساب؛ لأنّ ما يجازى به العبد هو كفء لفعله ولمقداره، فهو حساب له إذا كان مماثلا مكافئا.

وممّا يشهد بأنّ فى الحساب معنى الكفاية والمكافأة قوله تعالى: جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً؛، أى عطاء كافيا، ويقال: أحسبنى الطعام يحسبنى إحسابا إذا كفانى، قال الشاعر:

وإذ لا ترى فى النّاس حسنا يفوتهاوفى النّاس حسن لو تأمّلت محسب

معناه كاف.

وثانيها أن يكون المراد أنّه ﷿ يحاسب الخلق جميعا فى أوقات يسيرة، ويقال:

إنّ مقدار ذلك مقدار حلب شاة؛ لأنه تعالى لا يشغله محاسبة بعضهم عن محاسبة غيره؛ بل يكلّمهم جميعا ويحاسبهم كلّهم على أعمالهم فى وقت واحد؛ وهذا أحد ما يدلّ على أنّه تعالى ليس بجسم، وأنّه لا يحتاج فى فعل الكلام إلى آلة؛ لأنه لو كان بهذه الصفات- تعالى عنها- لما جاز أن يخاطب اثنين فى وقت واحد بمخاطبتين مختلفتين؛ ولكان خطاب بعض الناس يشغله عن خطاب غيره، ولكانت مدة محاسبته للخلق على أعمالهم طويلة غير قصيرة؛ كما أنّ جميع ذلك واجب فى المحدثين الذين يفتقرون فى الكلام إلى الآلات.

وثالثها ما ذكره بعضهم من أنّ المراد بالآية أنه سريع العلم بكل محسوب، وأنّه لما كانت عادة بنى الدنيا أن يستعملوا الحساب والإحصاء فى أكثر أمورهم؛ أعلمهم الله تعالى أنّه يعلم ما يحسبون بغير حساب؛ وإنما سمّى العلم حسابا لأنّ الحساب إنما يراد به العلم؛ وهذا جواب ضعيف؛ لأن العلم بالحساب أو المحسوب لا يسمّى حسابا، ولو سمّى بذلك لما جاز أيضا أن يقال إنه سريع العلم بكذا؛ لأنّ علمه بالأشياء مما لا يتجدّد فيوصف بالسرعة.

ورابعها أنّ الله تعالى سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم؛ وذلك أنّه يسأل فى وقت واحد سؤالات مختلفة/ من أمور الدنيا والآخرة، فيجزى كلّ عبد بمقدار استحقاقه ومصلحته، فيوصل إليه عند دعائه ومسألته ما يستوجبه بحد ومقدار؛ فلو كان الأمر على ما يتعارفه الناس لطال العدد واتصل الحساب، فأعلمنا تعالى أنّه سريع الحساب، أى سريع القبول للدعاء بغير إحساس وبحث عن المقدار الّذي يستحقّه الداعى؛ كما يبحث المخلوقون للحساب والإحصاء؛ وهذا الجواب مبنىّ أيضا على دعوى أنّ قبول الدعاء لا يسمّى حسابا فى لغة ولا عرف ولا شرع. وقد كان يجب على من أجاب بهذا الجواب أن يستشهد على ذلك بما يكون حجة فيه، وإلّا فلا طائل فيما ذكره.

ويمكن فى الآية وجه آخر، وهو أن يكون المراد بالحساب محاسبة الخلق على أعمالهم يوم القيامة وموافقتهم عليها، وتكون الفائدة فى الإخبار بسرعته الإخبار عن قرب الساعة؛ كما قال تعالى: سَرِيعُ الْعِقابِ.

وليس لأحد أن يقول: فهذا هو الجواب الأول الّذي حكيتموه؛ وذلك أن بينهما فرقا؛ لأن الأول مبنىّ على أن الحساب

فى الآية هو الجزاء والمكافأة على الأعمال، وفى هذا الجواب لم يخرج الحساب عن بابه وعن معنى المحاسبة، والمقابلة بالأعمال وترجيحها، وذلك غير الجزاء الّذي يفضى الحساب إليه.

وقد طعن بعضهم فى الجواب الثانى معترضا على أبى عليّ الجبّائىّ فى اعتماده إياه [بأن قال]: مخرج الكلام فى الآية على وجه الوعيد، وليس فى خفّة الحساب وسرعة زمانه ما يقتضي زجرا، ولا هو مما يتوعد بمثله؛ فيجب أن يكون المراد الإخبار عن قرب أمر الآخرة والمجازاة على الأعمال.

وهذا الجواب ليس أبو عليّ هو المبتدئ به، بل قد حكى عن الحسن البصرىّ، واعتمده أيضا قطرب بن المستنير النحوىّ: وذكره المفضّل بن سلمة، وليس الطّعن الّذي حكيناه عن هذا الطاعن بمبطل له، لأنه اعتمد على أنّ مخرج الآية مخرج الوعيد، وليس كذلك، لأنه تعالى قال: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ. أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ؛، فالأشبه بالظاهر أن يكون الكلام وعدا بالثواب، وراجعا إلى الذين يقولون: رَبَّنا آتِنا/ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ، أو يكون راجعا إلى الجميع، فيكون المعنى:

إن للجميع نصيبا مما كسبوا؛ فلا يكون وعيدا خالصا؛ بل إما أن يكون وعدا خالصا أو وعدا ووعيدا، على أنه لو كان وعيدا خالصا على ما ذكر الطاعن لكان لقوله تعالى: وَاللَّهُ

سَرِيعُ الْحِسابِ، على تأويل من أراد قصر الزمان، وسرعة الموافقة وجه وتعلّق بالوعد والوعيد؛ لأن الكلام على كل حال متضمّن لوقوع المحاسبة على أعمال العباد، والإحاطة بخيرها وشرّها؛ وإن وصف الحساب مع ذلك بالسرعة؛ وفى هذا ترغيب وترهيب لا محالة، لأن من علم أنه يحاسب بأعماله، ويواقف على جميلها وقبيحها انزجر عن القبيح ورغب فى فعل الواجب.

فبهذا ينصر الجواب، وإن كنا لا ندفع أن فى حمل الحساب على قرب المجازاة، أو قرب المحاسبة على الأعمال ترغيبا فى الطاعات وزجرا عن المقبّحات؛ فالتأويل الأول أشبه بالظاهر ونسق الآية، إلا أن التأويل الآخر غير مدفوع أيضا ولا مرذول.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مجلس آخر (٢٧)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.