من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
تأويل آية أخرى [: وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ؛.
فقال: أىّ تمدّح فى الإعطاء بغير حساب، وقد يكون المعطى بحساب أجزل عطية من المعطى بغير حساب؟.
الجواب، قلنا فى هذه الآية وجوه:
أولها أن تكون الفائدة أنه تعالى يرزق من يشاء بغير تقدير من المرزوق ولا احتساب منه، فالحساب هاهنا راجع إلى المرزوق لا إليه تعالى؛ كما يقول القائل: ما كان كذا وكذا فى حسابى، أى لم أؤمله، ولم أقدّر أنه يكون؛ وهذا وصف للرزق بأحسن الأوصاف؛ لأن الرزق إذا لم يكن محتسبا كان أهنأ له وأحلى؛ وقد روى عن ابن عباس رضى الله عنه فى تفسير هذه الآية أنه قال: عنى بها أموال بنى قريظة والنّضير، وأنّها تصير إليكم بغير حساب ولا قتال، على أسهل الأمور وأقربها وأيسرها.
وثانيها أن الله تعالى يرزق من يشاء رزقا غير مضيّق ولا مقتّر؛ بل يزيد فى السّعة والكثرة على كل عطاء المخلوقين، فيكون نفى الحساب فيه نفيا للتّضييق، ومبالغة فى وصفه بالسّعة، والعرب تسمّى العطاء القليل/ محسوبا، قال قيس بن الخطيم:
أنّى سربت وكنت غير سروب!وتقرّب الأحلام غير قريب
ما تمنعى يقظى فقد تؤتينهفى النّوم غير مصرّد محسوب
وثالثها أن يكون المعنى أنه يرزق من يشاء، أى من غير طلب للمكافأة أو إراغة لفائدة تعود إليه، أو منفعة ترجع عليه، لأنّ من شأن أهل الدنيا أن يعطوا ليكافئوا ولينتفعوا، ولهذا يقال فيمن يقصد بالعطية إلى هذه الأمور: فلان يحاسب الناس فيما يعطيهم، ويناقشهم فيما يوصّله إليهم، وما أشبه ذلك، فلما انتفت هذه الأمور من عطاياه سبحانه جاز أن يقول إنه يرزق بغير حساب.
ورابعها ما أجاب به قطرب، قال: معنى الآية يعطى العدد الكثير لا ممّا يضبطه الحساب، أو يأتى عليه العدد، لأن مقدوره تعالى لا يتناهى، وما فى خزائنه لا ينحصر، ولا يصحّ عليه النفاد؛ وليس كالمعطى منّا الألف من الألفين، والعشرة من المائة؛ لأن مقدار ما يتّبع له ويتمكّن منه محدود متناه، ولا تناهى ولا انقطاع لما يقدّر سبحانه عليه.
وخامسها أنه يعطى عباده فى الجنة من النعيم واللذات أكثر مما استحقوا، وأزيد مما وجب لهم، بمحاسبته إياهم على طاعتهم كما قال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً
حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً؛ وكما قال ﷿: إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ؛، وكما قال تعالى: لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ؛.
وسادسها أن يكون المعطى منّا غيره شيئا والرازق سواه رزقا قد يكون له ذلك، فيكون فعله حسنا لا يسأل عنه، ولا يؤاخذ به، ولا يحاسب عليه؛ وربما لم يكن له ذلك، فيكون فعله قبيحا يؤاخذ به، ويحاسب عليه، فنفى الله تعالى عن نفسه أن يفعل من الرزق القبيح، وما ليس له أن يفعله بنفى الحساب عنه، وأنبأ أنه لا يرزق ولا يعطى إلا على أفضل الوجوه وأحسنها وأبعدها من الذمّ؛ وتجرى الآية مجرى قوله تعالى: لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ؛، وإنما أراد أنه تعالى من حيث وقعت أفعاله كلّها حسنة غير قبيحة لم يجز أن يسأل عنها/ وإن سئل العباد عن أفعالهم، لأنهم يفعلون الحسن والقبيح معا.
وسابعها أنّ الله تعالى إذا رزق العبد وأعطاه من فضله كان الحساب عن العبد ساقطا من جهة الناس، فليس لأحد أن يقول له: لم رزقت؟ ولا يقول لربه: لم رزقته؟
ولا يسأله ربّه عن الرزق، وإنما يسأله عن إنفاقه فى الوجوه التى ينفقه فيها، فيسقط الحساب من هذه الوجوه عمّا يرزقه الله تعالى، ولذلك قال تعالى: بِغَيْرِ حِسابٍ.
وثامنها أن يكون المراد ب مَنْ يَشاءُ أن يرزقه من أهل الجنة، لأنه يرزقهم رزقا لا يصحّ أن يتناول جميعه الحساب، ولا العدد والإحصاء من حيث لا نهاية له ولا انقطاع للمستحقّ منه؛ ويطابق هذه الآية قوله تعالى فى موضع آخر: فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ؛.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع