من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
تأويل خبر [«توضّئوا ممّا غيّرت النار»]
إن سأل سائل عن الخبر الّذي يروى عن زيد بن ثابت عن النبي ﵌ أنه قال: «توضّئوا ممّا غيّرت النار»، فقال: ما المراد بالوضوء هاهنا ومذهبكم أن مسّ ما غيّرته النار لا يوجب وضوءا؟
الجواب، إن معنى «توضئوا» أى نظّفوا أيديكم من الزّهومة، لأنه روى أنّ جماعة من الأعراب كانوا لا يغسلون أيديهم من الزّهومة ويقولون: فقدها أشدّ علينا من ريحها، فأمر ﵇ بتنظيف الأيدى لذلك.
فإن قيل: كيف يصحّ أن تحملوا الخبر على اللفظ اللغوىّ، مع انتقاله بالعرف الشرعىّ إلى الأفعال المخصوصة، بدلالة أنّ من غسل يده أو وجهه لا يقول بالإطلاق: «توضأت»، ومتى سلم لكم أن الوضوء أصله من النظافة لم ينفعكم مع الانتقال الّذي ذكرناه، وكلامه ﵇ أخصّ بالعرف الشرعىّ، وحمله عليه أولى من حمله على اللغة.
قلنا: ليس ينكر أن يكون إطلاق الوضوء هو المنتقل من اللغة إلى عرف الشرع، والمختصّ بالأفعال المعيّنة، وكذلك المضاف منه إلى الحدث أو الصلاة وما أشبههما. فأما المضاف إلى الطعام وما جرى مجراه فباق على أصله؛ ألا ترى أنّهم لو قالوا: توضأت من الطعام، ومن الغمر، أو توضأت للطعام لم يفهم منه إلّا الغسل والتنظيف، وإذا قالوا:
توضأت إطلاقا، أو توضأت من الحدث أو للصلاة فهم منه/ الأفعال الشرعية؛ فليس ينكر ما ذكرناه من اختصاص النّقل، لأنه كما يجوز انتقال اللفظة من فائدة فى اللغة إلى فائدة فى الشرع على كلّ وجه، كذلك يجوز أن تنتقل على وجه دون وجه، وتبقى من الوجه الّذي لم تنتقل منه على ما كان عليه فى اللغة.
وقد ذهب كثير من الناس إلى أنّ إطلاق لفظة «مؤمن» منتقل من اللغة إلى عرف
الدين ومختصّ باستحقاق الثواب، وإن كان مقيّدها باقيا على ما كان عليه فى اللغة.
ويبيّن ذلك أيضا ما روى عن الحسن أنه قال: «الوضوء قبل الطعام ينفى الفقر، وبعده ينفى اللّمم»؛ وإنما أراد غسل اليدين بغير شك. وروى عن قتادة أنه قال: «غسل اليد وضوء» وروى عكراش أن رسول الله صلى الله عليه وآله أكل [وغسل يده ومسح ببلل يده وجهه] وذراعيه ورأسه، وقال: «هكذا الوضوء ممّا مست النار»، على أنه لو كانت هذه اللفظة منتقلة على كلّ حال إلى الأفعال الشرعية المخصوصة لصحّ أن نحمله فى الخبر على خلاف ذلك، ونردّها إلى أصلها بالأدلّة، وإن كان الأولى لولا الأدلة أن تحمل على مقتضى الشرع.
فمن الأدلة على ما ذكرناه ما رواه ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله أكل كتف شاة، وقام فصلّى ولم يتوضأ. وروى عطاء عن أمّ سلمة قالت: قرّبت جنبا مشويا إلى النبي صلى الله عليه وآله، فأكل منه، وصلّى ولم يتوضأ. وروى محمد بن المنكدر عن جابر أنه قال: كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وآله ترك الوضوء ممّا مسّت النار.
وكلّ هذه الأخبار توجب العدول عن ظاهر الخبر الأول لو كان له ظاهر، فكيف وقد بيّنا أنّه لا ظاهر له!
فأما اشتقاق الوضوء فهو من الوضاءة التى هى الحسن، فلما كان من غسل يده ونظفها قد حسّنها قيل وضّأها؛ ويقال: فلان وضيء الوجه وقوم وضاء، قال الشاعر:
مساميح الفعال ذوو أناةمراجيح وأوجههم وضاء
والوضوء، بضم الواو: المصدر، وكذلك أيضا التّوضؤ والوضوء، بفتح الواو: اسم ما يتوضأ به، وكذلك/ الوقود اسم لما توقد به النار: والوقود، بالضم: المصدر، ومثله التوقّد، وقد يجوز أن يكون الوقود، بفتح الواو: المصدر، وكذلك الوضوء بفتح الواو؛ كما قالوا:
حسن القبول، فجعلوا القبول مصدرا، وهو مفتوح الأول، ولا يجوز فى الوقود والوضوء بالضم إلا معنى المصدر وحده، قال جرير.
أهوى أراك برامتين وقوداأم بالجنينة من مدافع أودا
وقال آخر:
إذا سهيل لاح كالوقودفردا كشاة البقر المطرود
وقال آخر:
وأجّجنا بكلّ يفاع أرضوقود النّار للمتنوّرينا
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع