من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
إيراد طائفة من محاسن شعر أبى حية النميرىّ وتفسير ما فيها من الغريب:
أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال أخبرنا محمد بن أبى الأزهر قال أنشدنا محمد بن يزيد لأبى حيّة النّميرىّ- وهى أبيات مختارة:
وخبّرك الواشون ألّا أحبّكمبلى وستور الله ذات المحارم
أصدّ، وما الصّدّ الّذي تعرفينهعزاء بنا إلّا اجتراع العلاقم
حياء وبقيا أن تشيع نميمةبنا وبكم؛ أفّ لأهل النّمائم!
وإنّ دما لو تعلمين جنيتهعلى الحىّ، جانى مثله غير سالم
أما إنّه لو كان غيرك أرقلتصعاد القنا بالرّاعفات اللهازم
ولكنه والله ما طلّ مسلماكبيض الثّنايا واضحات الملاغم
- قال ثعلب: الملاغم، ما حول الفم، وقال المبرّد: «واضحات الملاغم»، يريد العوارض، وقوله: «ما طلّ مسلما»، أى أبطل دمه-
إذا هنّ ساقطن الحديث حسبتهسقوط حصى المرجان من سلك ناظم
- ويروى: «ساقطن الأحاديث للفتى». ويروى أيضا: «ساقطن الحديث كأنّه» -
رمين فأقصدن القلوب فلا ترىدما مائرا إلّا جوى فى الحيازم
قال سيدنا أدام الله تمكينه: ومن مستحسن ما مضى فى هذه القصيدة قوله:
كأن لم أبرّح بالغيور وأقتتلبتفتير أبصار الصّحاح السّقائم
/ ولم أله بالحدث الألفّ الّذي لهغدائر لم يحرمن فار اللّطائم
إذا اللهو يطبينى وإذ أستميلهبمحلولك الفودين وحف المقادم
وإذ أنا منقاد لكلّ مقوّدإلى اللهو حلّاف البطالات آثم
- وروى ابن حبيب: «مقوّد». ومعنى «حلّاف البطالات»، أى حلّاف فى البطالات-
مهين المطايا متلف غير أنّنىعلى هلك ما أتلفته غير نادم
أرى خير يومىّ الخسيس وإن غلابى اللّوم لم أحفل ملامة لائم
- معنى «خير يومىّ الخسيس»، أى أحبّ يومىّ إلى الّذي هو أخسّ عند أهل الرأى والعقل.
وأنشد أبو إسحاق إبراهيم بن سيف بن الزّيادىّ لأبى حيّة- واسمه هيثم بن الربيع:
ترحّل بالشّباب الشّيب عنّافليت الشّيب كان به الرّحيل
وقد كان الشّباب لنا خليلافقد قضى مآربه الخليل
لعمر أبى، الشّباب لقد تولّىحميدا ما يراد به بديل
إذ الأيّام مقبلة عليناوظلّ أراكة الدّنيا ظليل
وأنشد المبرّد، قال أنشدنا أبو عثمان المازنىّ لأبى حيّة:
زمان الصّبا ليت أيّامنارجعن لنا الصّالحات القصارا
زمان عليّ غراب غداففطيّره الدهر عنى فطارا
فلا يبعد الله ذاك الغرابوإن هو لم يبق إلّا ادّكارا
كأنّ الشّباب ولذّاتهوريق الصّبا كان يوما معارا
- ريّق الصبا وريقه ورونقه: أوّله-
وهازئة أن رأت لمّتىتلفّع شيب بها فاستدارا
وقلّدنى منه بعد الخطامعذارا فما أستطيع اعتذارا
/ أجارتنا إنّ ريب الزّمانقبلى نال الرّجال الخيارا
فإمّا ترى لمّتى هكذافأسرعت فيها لشيبى النّفارا
فقد ارتدى وحفة طلّةوقد أبرز الفتيات الخفارا
أما قوله: «عليّ غراب غداف» فأراد به الشّباب والشّعر الأسود، ويشبه أن يكون مأخوذا من قول الأعشى:
وما طلابك شيئا لست تدركهإن كان عنك غراب الجهل قد وقعا!
ولأبى حيّة من قصيدة أولها:
ألا يا اسلمى أطلال خنساء وانعمى
وخنساء مخماص الوشاحين مشيهاإلى الرّوح أفنان خطا المتجشّم
ألمّا بسلمى قبل أن ترمى النّوىبنافذة نبض الفؤاد المتيّم
يقف عاشقا لم يبق من روح نفسهولا عقله المسلوب غير التّوهّم
فقلن لها سرّا: فديناك! لا يرحصحيحا، فإن لم تقتليه فألممى
فألقت قناعا دونه الشّمس واتّقتبأحسن موصولين: كفّ ومعصم
وهذا البيت الأخير مأخوذ من قول النابغة:
سقط النّصيف ولم ترد إسقاطهفتناولته واتّقتنا باليد
ولقوله: «وقلن لها سرّا فديناك لا يرح» خبر، وهو ما أخبرنا به أبو الحسن عليّ بن محمد الكاتب قال حدّثني محمد بن يحيى الصولىّ قال حدثنى الباقطانىّ قال: اتصل بعبيد الله بن سليمان بن وهب أمر عليّ بن العباس الرومىّ وكثرة مجالسته لأبى الحسين القاسم ابنه، وسمع شيئا من أهاجيه، فقال لأبى الحسين: قد أحببت أن أرى ابن روميّك هذا؛ فدخل يوما عبيد الله إلى أبى الحسين وابن الرومىّ عنده، فاستنشده من شعره فأنشده، وخاطبه، فرآه مضطرب العقل جاهلا، فقال لأبى الحسين- بينه وبينه-: إنّ لسان هذا أطول من عقله، ومن هذه صورته لا تؤمن عقاربه عند أول عتب، ولا يفكّر فى عاقبة، فأخرجه عنك، فقال: أخاف حينئذ أن يعلن ما يكتمه فى دولتنا، ويذيعه فى تمكّننا، فقال: يا بنيّ/ لم أرد بإخراجك له طرده، فاستعمل فيه بيت أبى حيّه النّميرىّ:
فقلنا: لها سرّا فديناك! لا يرحصحيحا، فإن لم تقتليه فألممى
فحدّث القاسم بن فراس بما جرى، وكان أعدى النّاس لابن الرومىّ؛ وقد هجاه بأهاج قبيحة، فقال له الوزير أعزّه الله: أشار بأن يغتال حتى يستراح منه وأنا أكفيك ذلك قال: فسمّه فى الخشكنانج، فمات.
قال الباقطانىّ: والناس يقولون ما قتله ابن فراس، وإنما قتله عبيد الله.
وذكر محمد بن يزيد المبرّد قال: مما يفضّل لتخلّصه من التكلّف، وسلامته من التزيد وبعده من الاستعانة قول أبى حيّة:
رمتنى- وستر الله بينى وبينها-عشيّة آرام الكناس رميم
ألا ربّ يوم لو رمتنى رميتها،ولكنّ عهدى بالنّضال قديم
قال سيدنا أدام الله علوّه: وقد روى هذان البيتان لنصيب فى غير رواية المبرّد. قال المبرّد يقول: رمتنى وأصابتنى بمحاسنها، ولو كنت شابا لرميت كما رميت، وفتنت كما فتنت؛ ولكن عهدى قد تطاول بالشباب، وهذا كلام واضح؛ وأما الاستعانة فهى أن يدخل فى الكلام ما لا حاجة بالمستمع إليه ليصحّح نظما أو وزنا.
ومما يختار من قول أبى حيّة أيضا:
ألا حىّ من أجل الحبيب المغانيالبسن البلى ممّا لبسن اللّياليا
إذا ما تقاضى المرء يوم وليلةتقاضاه شيء لا يملّ التّقاضيا
ويقال: إن أحسن ما وصف به المسواك قول أبى حيّة:
لقد طالما عنّيت راحلة الصّباوعلّلت شيطان الغوىّ المشوّق
وداويت قرح القلب منهنّ بالمنىوباللحظ- لو يبذلنه- المتسرّق
وساقيننى كأس الهوى وسقيتهارقاق الثّنايا عذبة المتريّق
وخمصانة تفترّ عن متنضّدكنور الأقاحى طيّب المتذوّق
/- ويروى: «عن متنسّق»، يعنى ثغرا على نسق واحد لا اختلاف فيه-
إذا مضغت بعد امتناع من الضّحىأنابيب من عود الأراك المخلّق
- الامتتاع: الارتفاع، يقال متع النهار وأمتع إذا طال- والمخلّق: الّذي علق به الخلوق والطيب من يدها؛ وقال بعضهم: عنى بالمخلّق المملّس-
سقت شعث المسواك ماء غمامةفضيضا بخرطوم المدام المروّق
- والفضيض: الّذي حين سال من الغمامة، أى كما فضّ، والخرطوم: سلاف الخمر، وهو أول ما يخرج من غير عصر ولا دوس-
وإن ذقت فاها بعد ما سقط النّدىبعطفى بخنداة رداح المنطّق
- البنخنداة: الضخمة. والرّداح: العظيمة الأرداف.
شممت العرار الطّلّ غبّ هميمةونور الخزامى فى النّدى المترقرق
- العرار: بهار البرّ، والطّل: الغضّ الطرىّ، والهميمة: مطر ليّن:
وأخبرنا المرزبانىّ قال حدثنى عليّ بن هارون بن عليّ قال: سمعت أبى- وقد ذكر قول أبى حيّة:
نظرت كأنّى من وراء زجاجةإلى الدّار من فرط الصّبابة أنظر
بعينين طورا تغرقان من البكافأعشى، وطورا تحسران فأبصر
فقال: لو اعترضنى مملّك تجب طاعته، ويلزم الانقياد لأمره فقال: أىّ شعر أجود وأولى بأن يستحسن؟ ولم يفسح لى فى أن أميّز المدح من الفخر، والهجاء من التشبيب، وسائر أصناف الشعر ومذاهب الشعراء فيه لما
عدلت عن هذين البيتين.
ويقال إن أبا أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر أجاز بيتى أبى حية هذين بقوله:
فلا مقلتى من غامر الماء تنجلىولا دمعتى من مكمد الوجد تقطر
ولأبى حية:
من المبكيات الجلد حتّى كأنماتسحّ بعينيه الدّموع شعيب
- الشّعيب: مزادة من أديمين، يشعب أحدهما بالآخر-
/ ليالى أهلانا جميعا وحولناسوائم منها رائح وغريب
وإذ يتجنّين الذّنوب وما لناإليهنّ [إلّا ودّهنّ ذنوب]
ولأبى حيّة:
أصدّ عن البيت الحبيب وإنّنىلأصغى إلى البيت الّذي أتجنّب
أزور بيوتا غيره ولأهلهعلى ما عدا عنهم أعزّ وأقرب
وقطّع أسباب المودّة معشرغضابى، وهل فى أحسن القول مغضب!
وألّا تنى يا أمّ عمرو نميمةتدبّ بها بينى وبينك عقرب
وما بيننا لو أنّه كان عالمابذاك الألى يولون ما يترتّب
حديث إذا لم تخش عينا كأنّهإذا ساقطته الشّهد، بل هو أطيب
لو انّك تستشفى به بعد سكرةمن الموت كانت سكرة الموت تذهب
وقلت لها: ما تأمرين؟ فإنّنىأرى البين أدنى روعة تترقب
قال محمد بن يحيى الصولىّ: ولا أحسبه فى قوله:
لو انّك تستشفى به بعد سكرة
إلّا تبع قول توبة بن الحميّر:
ولو أنّ ليلى الأخيليّة سلّمتعليّ، ودونى جندل وصفائح
لسلّمت تسليم البشاشة، أو زقاإليها صدى من جانب القبر صائح
قال سيدنا أدام الله علوّه: وأوّل من سبق إلى هذا المعنى فأحسن الأعشى فى قوله:
عهدى بها فى الحىّ قد درّعتصفراء مثل المهرة الضّامر
لو أسندت ميتا إلى نحرهاعاش ولم ينقل إلى قابر
حتّى يقول النّاس ممّا رأوايا عجبا للميّت النّاشر!
ومعنى الناشر: المنشور، يقال: نشر الله الميت فنشر، وهو ناشر بمعنى منشور؛ مثل ماء دافق فهو مدفوق.
وقال بعض أصحاب المعانى: إنّ الجارية التى وصفها أيضا هى ميتة بمعنى أنها ستموت، فيكون المعنى: إن الناس عجبوا من أن يكون من يموت ينشر الموتى، ومن قال هذا أجاز: نشر الله الموتى/ بمعنى أنشر؛ والقول الأول أظهر، وما نظن الأعشى عنى غيره.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع