تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

تأويل آية [: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا

]

إن سأل سائل عن قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ؛.

فقال: ما معنى الحول بين المرء وقلبه؟ وهل يصحّ ما تأوّله قوم من أنّه يحول بين الكافر وبين الإيمان؟ وما معنى قوله: لِما يُحْيِيكُمْ؟ وكيف تكون الحياة فى إجابته؟

الجواب، قلنا: أما قوله تعالى: يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ففيه وجوه:

أوّلها أن يريد بذلك أنّه تعالى يحول بين المرء وبين الانتفاع بقلبه بالموت، وهذا حثّ من الله ﷿ على الطاعات والمبادرة بها قبل الفوت وانقطاع التّكليف، وتعذّر ما يسوّف به المكلّف نفسه من التوبة والإقلاع؛ فكأنه تعالى قال: بادروا إلى الاستجابة لله وللرسول من قبل أن يأتيكم الموت فيحول بينكم وبين الانتفاع بنفوسكم وقلوبكم، ويتعذر عليكم ما تسوّفون به نفوسكم من التوبة بقلوبكم. ويقوّى ذلك قوله تعالى: وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ.

وثانيها أن يحول بين المرء وقلبه بإزالة عقله وإبطال تمييزه، وإن كان حيّا، وقد يقال لمن فقد عقله وسلب تمييزه: إنّه بغير عقل؛ قال الله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ؛.

وقال الشاعر:

/ ولي ألف وجه قد عرفت مكانهولكن بلا قلب إلى أين أذهب!
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «فلو كان لي قلبان عشت بواحد»

وهذا الوجه يقرب من الأوّل؛ لأنه تعالى أخرج هذا الكلام مخرج الإنذار لهم،

والحث لهم على الطاعات قبل فوتها، لأنه لا فرق بين تعذّر التوبة وانقطاع التكليف بالموت وبين تعذّرها بإزالة العقل.

وثالثها أن يكون المعنى المبالغة فى الإخبار عن قربه من عباده وعلمه بما يبطنون ويخفون؛ وأنّ الضمائر المكنونة له ظاهرة، والخفايا المستورة لعلمه بادية؛ ويجرى ذلك مجرى قوله تعالى:

وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ؛، ونحن نعلم أنه لم تعالى يرد بذلك قرب المسافة، بل المعنى الّذي ذكرناه.

وإذا كان ﷿ هو أعلم بما فى قلوبنا منّا، وكان ما نعلمه أيضا يجوز أن ننساه، ونسهو عنه، ونضلّ عن علمه- وكل ذلك لا يجوز عليه- جاز أن يقول: إنه يحول بيننا وبين قلوبنا؛ لأنه معلوم فى الشاهد أن كل شيء يحول بين شيئين فهو أقرب إليهما.

ولما أراد تعالى المبالغة فى وصف القرب خاطبنا بما نعرف ونألف؛ وإن كان القرب الّذي عناه جلّت عظمته لم يرد به المسافة، والعرب تضع كثيرا لفظة القرب على غير معنى المسافة؛ فيقولون: فلان أقرب إلى قلبى من فلان، وزيد منى قريب، وعمرو منّى بعيد؛ ولا يريدون المسافة.

ورابعها- ما أجاب به بعضهم- من أنّ المؤمنين كانوا يفكّرون فى كثرة عدوّهم، وقلة عددهم، فيدخل قلوبهم الخوف، فأعلمهم تعالى أنه يحول بين المرء وقلبه، بأن يبدّله بالخوف الأمن؛ ويبدّل عدوّهم- بظنهم أنهم قادرون عليهم وغالبون لهم- الجبن والخور.

ويمكن فى الآية وجه خامس؛ وهو أن يكون المراد أنه تعالى يحول بين المرء وبين ما يدعوه إليه قلبه من القبائح؛ بالأمر والنهى والوعد والوعيد؛ لأنا نعلم أنه تعالى لو لم يكلف العاقل مع ما فيه من الشهوات والنفار لم يكن له عن القبيح مانع؛ ولا عن مواقعته رادع؛ فكأنّ التكليف حائل بينه وبينه؛ من حيث زجر عن فعله، وصرف عن مواقعته؛

وليس يجب فى الحائل/ أن يكون فى كل موضع مما يمتنع معه الفعل؛ لأنا نعلم أن المشير منّا على غيره فى أمر كان قد همّ به وعزم على فعله أن يجتنبه. والمنبّه له على أنّ الحظ فى الانصراف عنه يصح أن يقال: منعه، وحال بينه وبين فعله، قال عبيد الله بن قيس الرقيات:

حال دون الهوى ودون سرى اللّيل مصعب
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة
وسياط على أكفّ رجال تقلّب

ونحن نعلم أنه لم يحل إلّا بالتخويف والترهيب دون غيرهما.

فإن قيل: كيف يطابق هذا الوجه صدر الآية؟

قلنا: وجه المطابقة ظاهر، لأنه تعالى أمرهم بالاستجابة لله تعالى ولرسوله فيما يدعوان إليه من فعل الطاعات، والامتناع من المقبّحات، وأعلمهم أنه بهذا الدعاء والإنذار وما يجرى مجراهما يحول بين المرء وبين ما تدعوه إليه نفسه من المعاصى؛ ثم إن المآب بعد هذا كلّه إليه والمنقلب إلى ما عنده؛ فيجازى كلّا باستحقاقه.

فأما قوله تعالى: إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ ففيه وجوه:

أوّلها أن يريد بذلك الحياة فى النعيم والثواب، لأنّ تلك هى الحياة الطيبة الدائمة التى يؤمن من تغيّرها، ولا يخاف انتقالها، فكأنه تعالى حث على إجابته التى تكسب هذه الحال.

وثانيها أنّه يختص ذلك بالدعاء إلى الجهاد وقتال العدوّ، فكأنه تعالى أمرهم بالاستجابة للرسول ﵇

فيما يأمرهم به من قتال عدوّهم؛ ودفعهم عن حوزة الإسلام

وأعلمهم أنّ ذلك يحييهم من حيث كان فيه قهر للمشركين، وتقليل لعددهم، وفلّ لحدّهم؛ وحسم لأطماعهم، لأنهم متى كثروا وقووا استلانوا جانب المؤمنين؛ وأقدموا عليهم بالقتل وصنوف المكاره؛ فمن هاهنا كانت الاستجابة له ﵇ فى القتال تقتضى الحياة والبقاء؛ ويجرى ذلك مجرى قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ؛.

وثالثها ما قاله قوم من أنّ كلّ طاعة حياة، ويوصف فاعلها بأنه حىّ، كما أن المعاصى يوصف فاعلها بأنه ميت، والوجه فى ذلك/ أنّ الطائع لما كان منتفعا بحياته، وكانت تؤديه إلى الثواب الدائم قيل: إن الطاعة حياة؛ ولما كان الكافر العاصى لا ينتفع بحياته؛ من حيث كان مصيره إلى العقاب الدائم كان فى حكم الميّت؛ ولهذا يقال لمن كان منغّص الحياة، غير منتفع بها: فلان بلا عيش ولا حياة، وما جرى مجرى ذلك من حيث لم ينتفع بحياته.

ويمكن فى الآية وجه آخر، وهو أن يكون المراد بالكلام الحياة بالحكم لا فى الفعل؛ لأنا قد علمنا أنه ﵇ كان مكلّفا مأمورا بجهاد جميع المشركين المخالفين لملته وقتلهم، وإن كان فيما بعد كلّف ذلك فيمن عدا أهل الذمة على شرطها؛ فكأنه تعالى قال: استجيبوا للرسول ولا تخالفوه، فإنكم إذا خالفتم كنتم فى الحكم غير أحياء، من حيث تعبّد ﵇ بقتالكم وقتلكم، فإذا أطعتم كنتم فى الحكم أحياء؛ ويجرى ذلك مجرى قوله تعالى:

وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً؛؛ وإنما أراد تعالى أنه يجب أن يكون آمنا؛ وهذا حكمه، ولم يخبر بأن ذلك لا محالة واقع.

فأما المجبرة فلا شبهة لهم فى الآية، ولا متعلّق بها؛ لأنه تعالى لم يقل: إنه يحول بين المرء وبين الإيمان، بل ظاهر الآية يقتضي أنّه يحول بينه وبين أفعاله، وإنما يقتضي ظاهرها أنه يحول بينه وبين قلبه؛ وليس للإيمان ولا

للكفر ذكر، ولو كان للآية ظاهر يقتضي

ما ظنوه- وليس لها ذلك- لانصرفنا عنه بأدلة العقل الموجبة أنه تعالى لا يحول بين المرء وبين ما أمره به، وأراده منه، وكلّفه فعله؛ لأن ذلك قبيح، والقبائح عنه منفيّة.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مجلس آخر (٣٨)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.