من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
خبر حصن بن حذيفة مع أولاده حين طعنه كرز بن عامر:
أخبرنا أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزبانىّ قال حدثنى أحمد بن محمد الجوهرىّ قال حدثنا الحسن بن عليل العنزىّ قال حدثنا أحمد بن عمرو بن إسماعيل بن عبد العزيز بن عبد الرحمن ابن عوف قال حدثنى محمد بن خالد بن عبد الله عن الحجاج السّلمىّ قال: لما اشتد بحصن ابن حذيفة بن بدر وجعه من طعنة كرز بن عامر إياه يوم بنى عقيل دعا ولده فقال:
إن الموت أهون مما أجد، فأيّكم يطيعنى؟ قالوا: كلنا نطيعك؛ فبدأ بأكبرهم فقال: قم فخذ سيفى واطعن به حيث آمرك، ولا تعجّل؛ قال: يا أبتاه: أيقتل المرء أباه! فأتى على القوم كلّهم/، فأجابوه جواب الأول؛ حتى انتهى إلى عيينة فقال: يا أبتاه، أليس لك فيما تأمرنى به راحة، ولي بذلك طاعة؛ وهو هواك؟ قال: بلى، قال: فمرنى كيف أصنع، قال:
قم فخذ سيفى فضعه حيث آمرك، ولا تعجّل، فقام فأخذ سيفه، ووضعه على قلبه، ثم قال: يا أبتاه، كيف أصنع؟ قال: ألق السيف؛ إنما أردت أن أعلم: أيّكم أمضى لما آمر به؛ فأنت خليفتى ورئيس قومك من بعدى، فقال القوم: إنه [سيقول فيما كان بيتا، فاحضروه] فلما أمسى قال:
ولّوا عيينة من بعدى أموركمواستيقنوا أنه بعدى لكم حام
إما هلكت فإنى قد بنيت لكمعزّ الحياة بما قدّمت قدّامى
واستوسقوا للتى فيها مروءتكمقود الجياد، وضرب القوم فى إلهام
والقرب من قومكم- والقرب ينفعكم-والبعد إن باعدوا، والرّمى للرّامي
ولى حذيفة إذ ولى وخلّفنىيوم الهباة يتيما وسط أيتام
لا أرفع الطّرف ذلّا عند مهلكةألقى العدوّ بوجه خدّه دامى
حتّى اعتقدت لوا قومي فقمت بهثمّ ارتحلت إلى الجفنىّ بالشام
لما قضى ما قضى من حقّ زائرهعجت المطىّ إلى النّعمان من عامى
أسمو لما كانت الآباء تطلبهعند الملوك فطرفى عندهم سامى
والدّهر آخره شبه لأوّلهقوم كقوم وأيّام كأيّام
فابنوا ولا تهدموا فالنّاس كلّهممن بين بان إلى العليا وهدّام
قال: ثم أصبح ودعا بنى بدر، فقال: لوائى ورئاستي لعيينة؛ واسمعوا منى ما أوصيكم به:
لا يتكل آخركم على أولكم؛ فإنما يدرك الآخر ما أدركه الأول؛ وأنكحوا الكفء الغريب؛ فإنه عزّ حادث؛ وإذا حضركم أمران فخذوا بخيرهما صدرا؛ فإن كلّ مورد معروف؛ واصحبوا قومكم بأجمل أخلاقكم؛ ولا تخالفوا فيما اجتمعوا عليه؛ فإن الخلاف يزرى بالرئيس المطاع؛ وإذا حاربتم فأوقعوا ثم قولوا صدقا؛ فإنه لا خير فى الكذب، وصونوا الخيول، فإنها حصون الرجال؛ وأطيلوا الرماح؛ فإنها قرون الخيل؛ وأعزوا الكبير بالكبير؛ فإنى بذلك كنت أغلب الناس، ولا تغزوا إلّا بالعيون؛ ولا تسرحوا حتى تأمنوا الصباح؛ وأعطوا على حسب المال، وأعجلوا الضيف بالقرى؛ فإن خيره أعجله، واتقوا فضحات البغى، وفلتات المزاح، ولا تجترءوا على الملوك؛ فإن أيديهم أطول من أيديكم؛ واقتلوا كرز بن عامر.
ش: «عمر بن خالد».
من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «كريز».
ش: «الرجل».
ف: «بجواب الأول». حاشية الأصل (من نسخة):
«الجواب الأول».
حاشية الأصل (من نسخة): «كما أمرت به».
م: «إنه سيقول فى ذلك شيئا فيما بيننا، فأحضروه».
استوسقوا: انضموا واجتمعوا، وفى حاشية الأصل: «نصب «قود الجياد»، على تقدير فعل مضمر؛ كأنه قال: أعنى قود الجياد».
والقرب من قومكم- والقرب ينفعكم-والبعد إن باعدوا، والرّمى للرّامي
ولى حذيفة إذ ولى وخلّفنىيوم الهباة يتيما وسط أيتام
لا أرفع الطّرف ذلّا عند مهلكةألقى العدوّ بوجه خدّه دامى
حتّى اعتقدت لوا قومي فقمت بهثمّ ارتحلت إلى الجفنىّ بالشام
لما قضى ما قضى من حقّ زائرهعجت المطىّ إلى النّعمان من عامى
أسمو لما كانت الآباء تطلبهعند الملوك فطرفى عندهم سامى
والدّهر آخره شبه لأوّلهقوم كقوم وأيّام كأيّام
فابنوا ولا تهدموا فالنّاس كلّهممن بين بان إلى العليا وهدّام
قال: ثم أصبح ودعا بنى بدر، فقال: لوائى ورئاستي لعيينة؛ واسمعوا منى ما أوصيكم به:
لا يتكل آخركم على أولكم؛ فإنما يدرك الآخر ما أدركه الأول؛ وأنكحوا الكفء الغريب؛ فإنه عزّ حادث؛ وإذا حضركم أمران فخذوا بخيرهما صدرا؛ فإن كلّ مورد معروف؛ واصحبوا قومكم بأجمل أخلاقكم؛ ولا تخالفوا فيما اجتمعوا عليه؛ فإن الخلاف يزرى بالرئيس المطاع؛ وإذا حاربتم فأوقعوا ثم قولوا صدقا؛ فإنه لا خير فى الكذب، وصونوا الخيول، فإنها حصون الرجال؛ وأطيلوا الرماح؛ فإنها قرون الخيل؛ وأعزوا الكبير بالكبير؛ فإنى بذلك كنت أغلب الناس، ولا تغزوا إلّا بالعيون؛ ولا تسرحوا حتى تأمنوا الصباح؛ وأعطوا على حسب المال، وأعجلوا الضيف بالقرى؛ فإن خيره أعجله، واتقوا فضحات البغى، وفلتات المزاح، ولا تجترءوا على الملوك؛ فإن أيديهم أطول من أيديكم؛ واقتلوا كرز بن عامر.
ومات حصن فأخذ عيينة الرّئاسة، وقال:
أطعت أبا عيينة فى هواهفلم تخلج صريمتى الظّنون
وقد عرض الرّئيس على بنيهفقال القوم: هذا لا يكون
ستحيا أو تموت، فطاولوهوقتل المرء والده جنون
فلم أقتل بحمد الله حصناوكلّ فتى ستدركه المنون
ولم أنكل عليه، وكلّ أمرإذا هوّنته يوما يهون
فإن يك بدء هذا الأمر غثّافآخره بنى بدر سمين
وحكى عمرو بن بحر الجاحظ أن اسم عيينة بن حصن حذيفة، وإنما أصابته اللّقوة فجحظت عينه؛ وزال فكّه، فسمى لذلك عيينة؛ وإذا عظمت عين الإنسان لقّبوه أبا عيينة، وأبا عيناء.
وروى قيس بن أبى حازم أن عيينة بن حصن دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: «هذا أحمق مطاع».
وروى أيضا أنه كان يدلع لسانه للحسين بن عليّ ﵉ وهو صبىّ، فيرى [الصبىّ] لسانه، فيهشّ له، فقال له عيينة: ألا أراك تصنع هذا بهذا، فو الله إنه ليكون لى الابن رجلا قد خرج وجهه، ما قبّلته قطّ، فقال رسول رسول الله صلى الله عليه وآله: «[إنه من لم يرحم لا يرحم]».
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع