تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

تأويل آية [: نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ

]

إن سائل سائل عن قوله تعالى: نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً؛.

فقال: لم وحّد نَجْوى وهو خبر عن جمع؟ وما معنى مَسْحُوراً وما جرت عادة مشركى العرب بوصف رسول الله

صلى الله عليه وآله بذلك، بل عادتهم جارية بقرفه بأنه ساحر؟

الجواب، قلنا: أما قوله تعالى: وَإِذْ هُمْ نَجْوى فإن «نجوى» مصدر يوصف به الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث، وهو مقرّ على لفظه. وبجرى ذلك مجرى/ قولهم: الرجال صوم، والمنازل حمد، يعنى بصوم صائمون، وبحمد محمودون.

وقد قال قوم: إن معناه: وإذ هم أصحاب نجوى، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، ويقال: القوم نجىّ والقوم أنجية، فمن وحّد بنى على مذهب المصدر، ومن جمع جعله منقولا عن المصادر، ملحقا برغيف وأرغفة، وما أشبه ذلك.

وقد قال الشاعر:

أتانى نجيّى بعد هدء ورقدةولم أك فيما قد بلوت بكاذب

وأنشد الفراء فى الجمع:

ظلّت نساؤهم والقوم أنجيةيعدى إليها كما يعدى على الغنم

فأما قوله تعالى: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً ففيه وجوه:

أوّلها أن يكون المراد: إن تتبعون إلا رجلا متغيّر العقل؛ لأن المشركين كان من مذهبهم عيب النبي صلى الله عليه وآله، وتضعيف أمره وتوهين رأيه، وكانوا فى وقت ينسبونه إلى أنه ساحر، وفى آخر يرمونه بالجنون، وأنه مسحور مغيّر العقل، وربما قذفوه بأنه شاعر حوشىّ من ذلك كلّه. وقد جرت عادة الناس أن يصفوا من يضيفونه إلى البله والغفلة وقلة التحصيل بأنه مسحور.

وثانيها أن يريدوا بالمسحور المخدوع المعلّل؛ لأن ذلك أحد ما يستعمل فيه هذه اللفظة، قال امرؤ القيس:

أرانا موضعين لحتم غيبونسحر بالطّعام وبالشّراب

وقال أمية بن أبى الصلت:

فإن تسألينا فيم نحن فإنّناعصافير من هذا الأنام المسحّر
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «أعاذل قومي فاعذلي الآن أو ذري»

وثالثها أن السّحر فى لغة العرب الرّئة وما تعلق بها، فيها ثلاث لغات: سحر وسحر وسحر، وقيل السّحر ما لصق بالحلقوم والمريء من أعلى الجوف؛ وقيل إنه الكبد؛ فكأنّ المعنى على هذا: إن تتبعون إلا رجلا ذا سحر؛ خلقه الله بشرا كخلقكم.

ورابعها أن يكون معنى مسحور أى ساحر، وقد جاء لفظ مفعول بمعنى فاعل؛ قال الله تعالى: وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ/ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً؛، أى ساترا، والعرب تقول للمعسر: ملفج، ومعناه ملفج؛ لأن ماضيه ألفج، فجاءوا بلفظ المفعول وهو الفاعل؛ ومن ذلك قولهم: فلان مشئوم على فلان وميمون؛ وهم يريدون شائم له ويأمن؛ لأنه من شأمهم ويمنهم.

ورأيت بعض العلماء يطعن على هذا الاستشهاد الأخير فيقول: العرب لا تعرف «فلان مشئوم على فلان»؛ وإنما هذا من كلام أهل الأمصار؛ وإنما تسمى العرب من لحقه الشؤم مشئوما؛ قال علقمة بن عبدة:

ومن تعرّض للغربان يزجرهاعلى سلامته لا بدّ مشئوم
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «هل ما علمت وما استودعت مكتوم»

والوجوه الثلاثة الأول أوضح وأشبه.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مجلس آخر (٤٢)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.