من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
عود إلى المختار من شعر مروان بن أبى حفصة: (٥)
ومما يختار لمروان بن أبى حفصة قوله من قصيدة يمدح بها معن بن زائدة الشيبانىّ، أولها:
أرى القلب أمسى بالأوانس مولعاوإن كان من عهد الصّبا قد تمتّعا
يقول فيها:
ولمّا سرى الهمّ الغريب قريتهقرى من أزال الشكّ عنه وأزمعا
عزمت فعجّلت الرّحيل ولم أكنكذى لوثة لا يطلع الهمّ مطلعا
فأمّت ركابى أرض معن ولم تزلإلى أرض معن حيثما كان نزّعا
نجائب لولا أنها سخّرت لناأبت عزّة من جهلها أن توزّعا
كسونا رحال الميس منها غوارباتدارك فيها النّىّ صيفا ومربعا
فما بلغت صنعاء حتى تواضعتذراها وزال الجهل عنها وأقلعا
وما الغيث إذ عمّ البلاد بصوبهعلى الناس من معروف معن بأوسعا
يقول فيها:
تدارك معن قبّة الدّين بعد ماخشينا على أوتادها أن تنزّعا
أقام على الثّغر المخوف، وهاشمتساقى سماما بالأسنّة منقعا
مقام امرئ يأبى سوى الخطّة التىتكون لدى غبّ الأحاديث أرفعا
وما أحجم الأعداء عنك بقيّةعليك؛ ولكن لم يروا فيك مطمعا
رأوا مخدرا قد جرّبوه وعاينوالدى غيله منهم مجرّا ومصرعا
/ وليس بثانيه إذا شدّ أن يرىلدى نحره زرق الأسنّة شرّعا
له راحتان: الحتف والغيث فيهماأبى الله إلّا أن تضرّا وتنفعا
لقد دوّخ الأعداء معن فأصبحواوأمنعهم لا يدفع الذّلّ مدفعا
نجيب مناجيب وسيّد سادةذرا المجد من فرعى نزار تفرّعا
لبانت خصال الخير فيه وأكملتوما كملت خمس سنوه وأربعا
لقد أصبحت فى كلّ شرق ومغرببسيفك أعناق المريبين خضّعا
وطئت خدود الحضرميّين وطأةلها هدّ ركنا عزّهم فتضعضعا
فأقعوا على الأذناب إقعاء معشريرون لزوم السّلم أبقى وأودعا
فلو مدّت الأيدى إلى الحرب كلهالكفّوا وما مدّوا إلى الحرب إصبعا
أما قوله:
فما بلغت صنعاء حتى تواضعتذراها، فزال الجهل عنها فأقلعا
فقد ردّده فى موضع آخر فقال:
فما بلغت حتّى حماها كلالهاإذا عرّيت أصلابها أن تقيّدا
وهذا المعنى [كثير فى الشعر القديم والمحدث]، فمنه قول جرير:
إذا بلغوا المنازل لم تقيّدوفى طول الكلال لها قيود
وروى أنه قيل لنصيب: لك بيت نازعك فيه جرير؛ أيّكما فيه أشعر؟ فقال: ما هو؟
فقيل قولك:
أضرّ بها التّهجير حتّى كأنّهابقايا سلال لم يدعها سلالها
وأنشد بيت جرير الّذي تقدّم، فقال: قاتل الله ابن الخطفى! فقيل له: قد فضلته عليك، فقال: هو ذاك.
وأخذ هذا المعنى المؤمل بن أميل المحاربىّ فقال:
كانت تقيّد حين تنزل منزلافاليوم صار لها الكلال قيودا
ولأبى نخيلة:
/ قيّدها الجهد ولم تقيّدفهى سوام كالقنا المسنّد
وما لها معلّل من مزودمنها ولا من شاحط مستبعد
ومعنى قوله: «سوام» أى هى رافعة رءوسها، وشبهها بالقنا، لأن القنا إذا ركز مال قليلا مع الريح، فيقول: فى أعناقها ميل من الضعف، كما قال الشماخ:
فأضحت تفالى بالسّتار كأنّهارماح نحاها وجهة الرّيح راكز
وكما قال حميد بن ثور الهلالىّ:
بمثوى حرام والمطىّ كأنهقنا مسند هبّت لهنّ خريق
فالخريق ريح شديدة تنخرق من كل جهة.
ومعنى قول أبى نخيلة: «من مزود» أى من ثميلة تجترّها، من الاجترار، وأراد أنه لا شيء فى أجوافها تتعلّل به. والمستبعد: ما بعد من المرعى.
وأنشد أبو العباس ثعلب:
إذا بلغوا المنازل لم تقيّدركائبهم ولم تشدد بعقل
فهنّ مقيّدات مطلقاتتقضّم ما تشذّر فى المحلّ
والأصل فى هذا قول امرئ القيس:
مطوت بهم حتّى تكلّ مطيّهموحتّى الجياد ما يقدن بأرسان
ولعباد بن أنف الكلب الصيداوىّ:
فتمسى لا أقيّدها بحبلبها طول الضّراوة والكلال
ومن جيد هذا المعنى قول الفرزدق يصف الإبل:
بدأنا بها من سيف رمل كهيلةوفيها نشاط من مراح وعجرف
فما بلغت حتّى تقارب خطوهاوبادت ذراها والمناسم رعّف
وحتّى قتلنا الجهل عنها وغودرتإذا ما أنيخت والمدامع ذرّف
/ وحتّى مشى الحادى البطيء يسوقهالها بخص دام ودأى مجلّف
- البخص: لحم الخفّ الّذي تطأ عليه. والدّأي: فقار الظهر. والمجلّف: المقشور-
وحتّى بعثناها وما فى يد لهاإذا حلّ عنها رمّة وهى رسّف
- الرّمة: الحبل؛ وأراد أنها ترسف كما يرسف المقيد، وإن لم يكن فى يدها قيد-
إذا ما نزلنا قاتلت عن ظهورهاحراجيج أمثال الأهلّة شسّف
- الحراجيج: الطّوال من الإبل، والشّسف: اليابسة من الجهد والكلال. ومعنى قتالها للغربان أنها إذا عرّيت ظهورها تقع الغربان عليها لتأكل دبرها؛ فالإبل تدافع الغربان بأفواهها عن ظهورها وذلك قتالها-
إذا ما أريناها الأزمّة أقبلتإلينا بحرّات الخدود تصدّف
فأفنى مراح الدّاعرية خوضهابنا اللّيل إذ نام الدّثور الملفّف
ومن أحسن ما قيل فى وصف الإبل بالنحول من الكلال والجهد بعد السّمن قول الشاعر:
وذات ماءين قد غيّضت جمّتهابحيث تستمسك الأرواح بالحجر
ردّت عوارى غيطان الفلا ونجتبمثل إيبالة من حائل العشر
قوله: «ذات ماءين» يعنى سمنا على سمن؛ وقيل: بل عنى أنها رعت كلأ عامين.
وقوله «قد غيّضت جمّتها» يعنى أنه أتعبها بالسير حتى ردّها هزيلا بعد سمن؛ فكأنه غيّض بذلك ماءها.
ومعنى:
بحيث تستمسك الأرواح بالحجر
يعنى الفلاة؛ حيث لا يكون فيها الماء، فيقتسم الركب الماء الّذي يكون معهم بالحجر الّذي يقال له المقلة فتمسك أرماقهم.
وقوله:
ردت عوارى غيطان الفلا ونجت
أى ما رعت من كلأ هذه الأماكن وسمنت عنه كان كعارية عندها، فردّته حيث جهدها السير وأهزلها. والإيبالة: الحزمة من الحطب اليابس.
وأخذ هذا المعنى بعينه أبو تمام فقال:
رعته الفيافى بعد ما كان حقبةرعاها، وماء المزن ينهلّ ساكبه
فكم جزع واد جبّ ذروة غاربومن قبل كانت أتمكته مذانبه
فأما قوله/:
فما أحجم الأعداء عنك بقيّةعليك، ولكن لم يروا فيك مطمعا
فمأخوذ من قول الأول:
فما بقيا عليّ تركتمانىولكن خفتما صرد النّبال
وقريب منه قول الآخر:
لعمرك ما النّاس أثنوا عليكولا قرّظوك ولا عظّموا
ولو أنّهم وجدوا مطعناإلى أن يعيبوك ما أحجموا
فأنت بفضلك ألجأتهمإلى أن يجلّوا وأن يعظموا
ومثله وقريب منه:
أما لو رأى فيك العدوّ نقيصةلخبّ بتصريف العيوب وأوضعا
ولكنّه لما رآك مبرّأمن العيب غطّى رأسه وتقبّعا
ومثله:
قد طلب العاذل عيبا فماأصاب عيبا فانثنى عاذرا
وللبحترىّ فى معنى قول مروان:
فما أحجم الأعداء عنك بقيّة
من قصيدة يمدح بها الفتح بن خاقان ويصف لقاءه الأسد:
غداة لقيت اللّيث واللّيث خادريحدّد نابا للّقاء ومخلبا
شهدت، لقد أنصفته يوم تنبرىله مصلتا عضبا من البيض مقضبا
فلم أر ضرغامين أصدق منكماعراكا إذا الهيابة النّكس كذّبا
هزبر مشى يبغى هزبرا، وأغلبمن القوم يغشى باسل الوجه أغلبا
أدلّ بشغب ثمّ هالته صولةرآك لها أمضى جنانا وأشغبا
فأحجم لمّا لم يجد فيك مطمعاوأقدم لمّا لم يجد عنك مهربا
فلم يغنه أن كرّ نحوك مقبلا،ولم ينجه أن حاد عنك منكبا
حملت عليه السّيف لا عزمك انثنى،ولا يدك ارتدّت، ولا حدّه نبا
/ وكنت متى تجمع يمينيك تهتك الضّريبة، أولا تبق للسّيف مضربا
ومن صافى كلام مروان ورائقه، ومما اجتمع له فيه جودة المعنى واللفظ واطّراد النسج قوله:
بنو مطر يوم اللّقاء كأنّهمأسود لها فى غيل خفّان أشبل
هم يمنعون الجار حتى كأنّمالجارهم بين السّماكين منزل
لهاميم فى الإسلام سادوا ولم يكنكأوّلهم فى الجاهليّة أوّل
هم القوم إن قالوا أصابوا، وإن دعواأجابوا، وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
وما يستطيع الفاعلون فعالهموإن أحسنوا فى النّائبات وأجملوا
ثلاث بأمثال الجبال حباهموأحلامهم منها لدى الوزن أثقل
ومن جيد قوله من قصيدة يمدح بها معنا:
ما من عدوّ يرى معنا بساحتهإلّا يظنّ المنايا تسبق القدرا
يلفى إذا الخيل لم تقدم فوارسهاكاللّيث يزداد إقداما إذا زجرا
أغرّ يحسب يوم الرّوع ذا لبدوردا ويحسب فوق المنبر القمرا
وله من قصيدة يصف يوما حارّا:
ويوم عسول الآل حام كأنّمالظى شمسه مشبوب نار تلهّب
نصبنا له منّا الوجوه وكنّهاعصائب أسمال بها نتعصّب
ويشبه أن يكون أخذ ذلك من قول الشّنفرى:
ويوم من الشّعرى يذوب لعابهأفاعيه فى رمضائه تتململ
نصبت له وجهى ولكنّ دونه- ولا ستر- إلا الأتحمىّ المرعبل
ولمروان من أبيات يصف فيها حديقة وهبها له المهدىّ، ويذكر نخلها وشجرها أجاد فيها:
نواضر غلبا قد تدانت رءوسهامن النّبت حتّى ما يطير غرابها
ترى الباسقات العمّ فيها كأنهاظعائن مضروب عليها قبابها
/ ترى بابها سهلا لكلّ مدفّعإذا أينعت نخل فأغلق بابها
يكون لنا ما نجتني من ثمارهاربيعا إذا الآفاق قلّ سحابها
حظائر لم يخلط بأثمانها الرّباولم يك من أخذ الدّيات اكتسابها
ولكن عطاء الله من كلّ مدحةجزيل من المستخلفين ثوابها
ومن ركضنا بالخيل فى كلّ غارةحلال بأرض المشركين نهابها
حوت غنمها آباؤنا وجدودنابصمّ العوالى والدّماء خضابها
أمّا قوله:
حظائر لم يخلط بأثمانها الرّباولم يك من أخذ الدّيات اكتسابها
فكأن ابن المعتز نظر إليه فى قوله:
لنا إبل ما وفّرتها دماؤناولا ذعرتها فى الصباح الصّوابح
وفى ضد هذا قول أبى تمام:
كثرت فيهم المسارح إلّاأنّها من مناكح وديات
ومثل الأول قول حسان يهجو قوما من قريش:
ومالكم لا من طراد فوارسولكن من التّرقيح يا آل مالك
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع