تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

تأويل آية [: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ]

إن سأل سائل عن معنى قوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ.

وقوله تعالى: إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ؛.

وقوله تعالى: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ؛.

وما شاكل ذلك من آي القرآن المتضمنة لذكر الوجه.

الجواب، قلنا: الوجه فى اللغة العربية ينقسم إلى أقسام:

فالوجه المعروف المركب فيه العينان من كل حيوان.

والوجه أيضا أول الشيء وصدره؛ ومن ذلك قوله تعالى: وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ أى أوّل النهار؛ ومنه قول الربيع بن زياد:

/ من كان مسرورا بمقتل مالكفليأت نسوتنا بوجه نهار

أى غداة كلّ يوم. وقال قوم: وجه نهار: موضع.

والوجه القصد بالفعل؛ من ذلك قوله تعالى: وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ؛؛ معناه: من قصد بأمره وفعله إلى الله سبحانه، وأراده بهما. وكذلك قوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ،؛ وقال الفرزدق:

وأسلمت وجهى حين شدّت ركائبىإلى آل مروان بناة المكارم

أى جعلت قصدى وإرادتى لهم، وأنشد الفراء:

أستغفر الله ذنبا لست محصيهربّ العباد إليه الوجه والعمل

أى القصد؛ ومنه قولهم فى الصلاة: وجّهت وجهى للذى فطر السموات والأرض؛ أى قصدت قصدى بصلاتى وعملى؛ وكذلك قوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ.

والوجه الاحتيال للأمرين؛ من قولهم كيف الوجه لهذا الأمر؟ وما الوجه فيه؟ أى ما الحيلة؟

والوجه المذهب والجهة والناحية، قال حمزة بن بيض الحنفىّ:

أىّ الوجوه انتجعت؟ قلت لهم:لأىّ وجه إلّا إلى الحكم!
متى يقل صاحبا سرادقه:هذا ابن بيض بالباب يبتسم

والوجه: القدر والمنزلة؛ ومنه قولهم: لفلان وجه عريض، وفلان أوجه من فلان، أى أعظم قدرا وجاها، ويقال: أوجهه السلطان إذا جعل له جاها؛ قال امرؤ القيس:

ونادمت قيصر فى ملكهفأوجهنى وركبت البريدا
للشاعر أحمد زكي أبو شادي، من قصيدة «أجارتنا إن المزار قريب»

والوجه الرئيس المنظور إليه؛ يقال: فلان وجه القوم، وهو وجه عشيرته؛ ووجه الشيء نفسه وذاته؛ قال أحمد بن جندل السّعديّ:

ونحن حفزنا الحوفزان بطعنةفأفلت منها وجهه عتد نهد

أراد أفلته ونجّاه ومنه قولهم: إنما أفعل ذلك لوجهك، ويدل أيضا على أن الوجه يعبّر به/ عن الذات قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ. إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ. وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ. تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ؛، وقوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ لِسَعْيِها راضِيَةٌ؛، لأن جميع ما أضيف إلى الوجوه فى ظاهر الآى؛ من النظر، والظن، والرّضا لا يصحّ إضافته فى الحقيقة إليها وإنما يضاف إلى الجملة، فمعنى قوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ؛ أى كل شيء هالك إلا هو؛ وكذلك قوله تعالى:

كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ؛ لما كان المراد بالوجه نفسه لم يقل «ذى الجلال» كما قال: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ؛: لما كان اسمه غيره.

ويمكن فى قوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ وجه آخر؛ وقد روى عن بعض المتقدمين، وهو أن يكون المراد بالوجه ما يقصد به إلى الله تعالى ويوجّه؛ نحو القربة إليه جلت عظمته؛ فيقول: لا تشرك بالله، ولا تدع إلها غيره؛ فإن كل فعل يتقرب به إلى غيره، ويقصد به سواه فهو هالك باطل؛ وكيف يسوغ للمشبّهة أن يحملوا هذه الآية والتى قبلها على الظاهر! أوليس ذلك يوجب أنه تعالى يفنى ويبقى وجهه: وهذا كفر وجهل من قائله.

فأما قوله تعالى: إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ،، وقوله: إِلَّا

ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى؛، وقوله: وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ،؛ فمعلوم أن هذه الأفعال مفعولة له؛ ومقصود بها ثوابه، والقربة إليه، والزلفة عنده.

فأما قوله تعالى: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ؛، فيحتمل أن يراد به: فثمّ الله، لا على معنى الحلول، ولكن على معنى التدبير والعلم، ويحتمل أن يراد به: فثمّ رضا الله وثوابه والقربة إليه.

ويحتمل أن يراد بالوجه الجهة، وتكون الإضافة بمعنى الملك والخلق والإنشاء والإحداث؛ لأنه ﷿ قال: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ؛ أى أن الجهات كلّها لله تعالى وتحت ملكه؛ وهذا واضح بيّن بحمد الله.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مجلس آخر (٤٣)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.