تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

أبيات لابن الرومى وموازنتها بشعر غيره من الشعراء:

فقال له يحيى بن على: أنشدنى ابن الرومى شعرا له فى هذا المعنى:

ولم أتعلّم قطّ من ذى سباحةسوى الغوص، والمضعوف غير مغالب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «دع اللوم إن اللوم عون النوائب»
ولم لا؟ ولو ألقيت فيها وصخرةلوافيت منها القعر أوّل راسب
وأيسر إشفاقى من الماء أنّنىأمرّ به فى الكوز مرّ المجانب
وأخشى الرّدى منه على كلّ شاربفكيف بأمنيه على كلّ راكب!
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «دع اللوم إن اللوم عون النوائب»

فقلت له: إنما أخذ ابن الرومىّ بيته الثالث من قول أبى نواس؛ فقال المكتفى بالله:

فما قال؟ قلت: حدثنى عليّ بن سراج المصرىّ قال حدثنى أبو وائل اللخمىّ قال حدثنى إبراهيم بن الخصيب قال: وقف أبو نواس بمصر على النيل؛ فرأى رجلا قد أخذه التمساح فقال:

أضمرت للنّيل هجرانا ومقليةمذ قيل لى: إنّما التمساح فى النّيل
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أضمرت للنيل هجرانا ومقلية»
فمن رأى النّيل رأى العين من كثبفما أرى النّيل إلّا فى البواقيل
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أضمرت للنيل هجرانا ومقلية»

قال الصولىّ: والبواقيل سفن صغار.

ثم أجرى المكتفى بعد ذلك ذكر الشيب، فقال: العرب تقول أظلم من شيب، وقد شبت، وظلمنى المشيب؛ وشبت يا صولىّ، فقلت: جواب عبدك فى هذا جواب معن بن زائدة الشيبانىّ لجدّك المنصور وقد قال له: كبرت يا معن، فقال: فى طاعتك يا أمير المؤمنين، قال: وإنّك لتتجلّد، قال: على أعدائك، قال: وفيك بحمد الله بقيّة، قال: لخدمتك.

فنزع المكتفى عمامته، فإذا شيبتان فى مقدّم رأسه، فقال: لقد غمّنى طلوع هاتين الشيبتين، فقلت له: إنما يعيش الناس فى الشيب؛ فأما السواد فلا يصحب الناس خالصا أكثر من أربعين سنة إلى الخمسين/، وقد يعاش فى البياض الّذي لا سواد فيه ثمانون سنة. وأنشده يحيى ابن عليّ فى معنى طول العمر مع المشيب قول امرئ القيس:

ألا إنّ بعد العدم للمرء قنوةوبعد المشيب طول عمر وملبسا
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «الما على الربع القديم بِعسعسا»

وأنشدته أنا أيضا أبياتا أنشدها إسحاق بن إبراهيم الموصلىّ لبعض القيسيين:

لم ينتقص منى المشيب قلامةالآن حين بدا ألبّ وأكيس
والشّيب إن يظهر فإنّ وراءهعمرا يكون خلاله متنفّس

قال سيدنا أدام الله تمكينه: أما قول البحترىّ: «مضى وهو مولى الريح» فقد كرر معناه فى قوله من قصيدة يمدح بها أبا سعيد الثّغريّ:

أشلى على منويل أطراف القنافنجا عتيق عتيقة جرداء
للشاعر البحتري، من قصيدة «زعم الغراب منبئ الأنباء»
ولو أنّه أبطأ لهنّ هنيهةلصدرن عنه، وهنّ غير ظماء
للشاعر البحتري، من قصيدة «زعم الغراب منبئ الأنباء»
فلئن تبقّاه القضاء لوقتهفلقد عممت جنوده بفناء
للشاعر البحتري، من قصيدة «زعم الغراب منبئ الأنباء»

وأظنه أخذ هذا المعنى من قول أبى تمام فى قصيدة يمدح بها المعتصم، ويذكر فتح الخرميّة.

لولا الظّلام وقلّة علقوا بهاباتت رقابهم بغير قلال
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «آلت أمور الشرك شر مآل»
فليشكروا جنح الظّلام ودروزافهم لدروز والظلام موالى

وقد أخطأ الصولىّ فى تفسير بيت أبى نواس بأن البواقيل سفن صغار؛ لأن البواقيل جمع بوقال؛ وهو آلة على هيئة الكوز معروفة؛ تعمل من الزجاج وغيره؛ وهذا مثل قول ابن الرومىّ:

أمرّ به فى الكوز مرّ المجانب

وإنما أراد أننى لا أمرّ بماء النيل إلا إذا أردت شربه فى كوز أو بوقال.

وأظن الصولىّ استمر عليه الوهم من جهة قوله: «فما أرى النيل» وصرف ذلك إلى أنه أراد النيل على الحقيقة؛ وإنما أراد ماء النيل؛ وما علمت أن السفن الصغار يقال لها بواقيل إلا من قول الصولىّ، هذا ولو كان ما ذكره صحيحا من أنّ ذلك اسم لصغار السفن لكان بيت أبي نواس بما ذكرناه أشبه/ وأليق وأدخل فى معنى الشعر؛ وكيف تدخل الشّبهة فى ذلك مع قوله:

فمن رأى النيل رأى العين من كثب

ومن رأى النيل فى السفن فقد رآه من كثب، ومن رأى ماءه فى الآنية على بعد لا يكون رائيا له من كثب.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مجلس آخر (٤٣)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.