من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
طائفة من أقوال الشعراء فى مدح الشيب وتفضيله:
فأما مدح الشيب وتفضيله على الشباب فقد قال فيه الناس فأكثروا؛ فمما تقدم من ذلك قول رؤبة بن العجّاج؛ ويقال إن رؤبة لم يقل من القصيدة إلا هذين البيتين:
أيّها الشّامت المعيّر بالشّيب أقلّنّ بالشّباب افتخارا
قد لبست الشّباب غضّا جديدافوجدت الشّباب ثوبا معارا
ولعلىّ بن جبلة:
جفا طرب الفتيان وهو طروبوأعقبه قرب الشّباب مشيب
تجافت عيون البيض عنه، وربّمامددن إليه الوصل وهو حبيب
لعمرى لنعم الصّاحب الشّيب واعظاوإن كان منه للعيون نكوب
خليط نهى، منتاب حلم؛ وإنّهعلى ذاك مكروه الخلاط مريب
ولآخر:
وتنكّرت شيبى فقلت لها:ليس المشيب بناقص عمرى
سيّان شيبى والشّباب إذاما كنت من عمرى على قدر
ولآخر:
إن أكن قد رزئت أسود كالفحم وأعقبت مثل لون الثّغامة
فلقد أسعف الكريم وأحبوأهله بالنّدى وآبى الظّلامه
غير أنّ الشّباب كان رداءخاننا فيؤه كفئ الغمامة
ولآخر:
إنّ المشيب رداء الحلم والأدبكما الشّباب رداء اللهو واللّعب
تعجّبت إذ رأت شيبى فقلت لها:لا تعجبى، من يطل عمر به يشب
ولابن الجهم:
حسرت عنّى القناع ظلوموتولّت ودمعها مسجوم
/ أنكرت ما رأت برأسى فقالت:أمشيب أم لؤلؤ منظوم!
قلت: شيب وليس عيبا، فأنّتأنّة يستثيرها المهموم
شدّ ما أنكرت تصرّم عهدلم يدم لى، وأىّ شيء يدوم!
ولأبى هفّان:
تعجّبت درّ من شيبى فقلت لها:لا تعجبى فطلوع الشّيب فى السّدف
وزادها عجبا لما رأت سملىوما درت درّ أنّ الدّر فى الصّدف
وقد أحسن أبو تمام غاية الإحسان فى قوله:
أبدت أسى أن رأتنى مخلس القصبوآل ما كان من عجب إلى عجب
ستّ وعشرون تدعونى فأتبعهاإلى المشيب ولم تظلم ولم تحب
فلا يؤرّقك إيماض القتير بهفإنّ ذاك ابتسام الرّأى والأدب
وللبحترىّ:
عيّرتني بالشيب وهى رمتهفى عذارى بالصّدّ والاجتناب
لا تريه عارا فما هو بالشّيب ولكنّه جلاء الشّباب
وبياض البازىّ أصدق حسناإن تأمّلت من سواد الغراب
وله:
ها هو الشّيب لائما فأفيقىواتركيه إن كان غير مفيق
فلقد كفّ من عناء المعنّىوتلافى من اشتياق المشوق
عذلتنا فى عشقها أمّ عمروهل سمعتم بالعاذل المعشوق
ورأت لمّة ألمّ بها الشّيب فريعت من ظلمة فى شروق
ولعمرى لولا الأقاحى لأبصرت أنيق الرّياض غير أنيق
وسواد العيون لو لم يكمّلببياض ما كان بالموموق
/ ومزاج الصّهباء بالماء أملىبصبوح مستحسن وغبوق
أىّ ليل يبهى بغير نجومأو سماء تندى بغير بروق!
ويشبه أن يكون أخذ قوله:
أىّ ليل يبهى بغير نجوم
من قول الشاعر:
أشيب ولم أقض الشّباب حقوقهولم يمض من عهد الشّباب قديم
رأت وضحا فى مفرق الرّأس راعهاوشتّان مبيضّ به وبهيم
تفاريق شيب فى الشّباب لوامعوما حسن ليل ليس فيه نجوم!
ولمحمود الوراق فى مثل هذا المعنى وهو قوله:
ما الدّرّ منظوما بأحسن منشيب يجلّل هامة الكهل
وكأنّه فيها النّجوم إذاجدّ المسير بها على مهل
لا تبكينّ على الشّباب إذايبكى الجهول عليه للجهل
واشكر لشيبك حسن صحبتهفلقد كساك جلالة الفضل
ولآخر فى مدح الشيب:
لا يرعك المشيب يا ابنة عبد اللمّه فالشّيب حلية ووقار
إنما تحسن الرّياض إذا ماضحكت فى خلالها الأنوار
ولي فى هذا المعنى من قصيدة:
جزعت لو خطات المشيب وإنمابلغ الشّباب مدى الكمال فنوّرا
والشّيب إن فكّرت فيه موردلا بدّ يورده الفتى إن عمّرا
يبيضّ بعد سواده الشّعر الّذيإن لم يزره الشّيب واراه الثّرى
وممن عدل بين الشيب والشباب، ومدح كل واحد منهما طريح بن إسماعيل الثقفى فقال:
والشّيب للحكماء من سفه الصّبابدل يكون الّذي الفضيلة مقنع
/ والشّيب غاية من تأخّر حينهلا يستطيع دفاعه من يجزع
إنّ الشّباب له لذاذة جدّةوالشّيب منه فى المغبّة أنفع
لا يبعد الله الشّباب فمرحبابالشيب حين أوى إليه المرجع
ومثله لآخر:
وكان الشباب الغضّ لى فيه لذّةفوقّرنى عنه المشيب وأدّبا
فسقيا ورعيا للشباب الّذي مضىوأهلا وسهلا بالمشيب ومرحبا
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع