تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

تأويل خبر [«لا تناجشوا ولا تدابروا

:]

إن سأل سائل عن الخبر الّذي يرويه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال:

«لا تناجشوا ولا تدابروا، كلّ المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه».

الجواب، قيل له: أما النّجش فهو المدح والإطراء، قال نابغة بنى شيبان يذكر الخمر:

وترخّى بال من يشربهاويفدّى كرمها عند النّجش
للشاعر النابغة الشيباني، من قصيدة «خل قلبي من سليمى نبلها»

أى عند مدحها، ومنه النّجش فى البيع؛ وهو مدح السلعة والزيادة فى ثمنها من غير إرادة لشرائها؛ بل ليقتدى بالزائد فى زيادته غيره؛ وأصل النجش استخراج الشيء والتنقير عنه، قال بعض الفقعسيين:

أجرس لها يا ابن أبى كباشفما لها الليلة من إنفاش
للشاعر ابو محمد الفقعسي، من قصيدة «أجرس لها يا ابن أبي كباش»
غير السّرى وسائق نجّاشأسمر مثل الحيّة الخشخاش
للشاعر ابو محمد الفقعسي، من قصيدة «أجرس لها يا ابن أبي كباش»

والنّجاش: هو المستثير لسيرها، والمستخرج لما عندها منه، ومعنى: أجرس لها، أى أحد لها لتسمع/ الحداء فتسير، وهو مأخوذ من الجرس وهو الصوت؛ ومعنى:

الإنفاش، أراد أنها لا تترك ترعى ليلا، والنفش أن ترعى الإبل ليلا، وقد أنفشتها إذا أرسلتها بالليل ترعى.

والخشخاش: الخفيف الحركة السريع التقلّب.

والنجش فى البيوع يرجع معناه إلى هذا أيضا؛ لأن الناجش يستثير بزيادته فى الثمن، ومدحه السلعة الزيادة فى ثمنها؛ فيكون معنى الخبر على هذا: لا تناجشوا، أى لا يمدح أحدكم السلعة فيزيد فى ثمنها، وهو لا يريد شراءها ليسمعه غيره فيزيده.

وقد يجوز أيضا أن يريد بذلك: لا يمدح أحدكم صاحبه من غير استحقاق ليستدعى منفعته، ويستثير فائدته؛ وهذا المعنى أشبه بأن يكون مراده ﵇، لأن قوله: «ولا تدابروا» أشدّ مطابقة له.

ومعنى: «لا تدابروا» أى لا تهاجروا ويولّى كلّ واحد صاحبه دبر وجهه، قال الشاعر:

وأوصى أبو قيس بأن تتواصلواوأوصى أبوكم، ويحكم! أن تدابروا

فكأنه قال ﵇: لا تتمادحوا وتتواصلوا بالمدح الّذي ليس بمستحق، ولا تهاجروا وتتقاطعوا.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مجلس آخر (٤٦)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.