تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

ذكر ما ورد فى اللغة من معانى «العرض»:

فأما قوله ﵌: «كلّ المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه»، فقد ذهب قوم إلى أنّ عرض الرجل إنما هو سلفه من آبائه وأمهاته؛ ومن جرى مجراهم.

وذهب ابن قتيبة إلى أن عرض الرجل نفسه، واحتج بحديث النبي صلى الله عليه وآله حين ذكر أهل الجنة فقال: «لا يبولون ولا يتغوّطون؛ إنما هو عرق يجرى من أعراضهم مثل المسك»؛ أى من أبدانهم؛ قال: ومنه قول أبى الدرداء: «أقرض من عرضك ليوم فقرك» أراد من شتمك فلا تشتمه، ومن ذكرك بسوء فلا تذكره به، ودع ذلك قرضا عليه ليوم الجزاء والقصاص.

واحتج أيضا بحديث الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: «أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم! كان إذا خرج من منزله قال: اللهمّ إنى قد تصدّقت بعرضى على عبادك»؛ قال: فمعناه قد تصدّقت بنفسى وأحللت من يغتابنى، فلو كان العرض الأسلاف ما جاز أن يحلّ من سبّ الموتى؛ لأن ذلك إليهم لا إليه.

قال: ويدلّ على ذلك أيضا حديث سفيان بن عيينة: «لو أن رجلا أصاب/ من عرض رجل شتما ثم تورّع من بعد؛ فجاء إلى ورثته بعد موته فأحلّوه له، لم يكن ذلك كفارة له، ولو أصاب من ماله شيئا ثم دفعه إلى ورثته؛ لكنّا نرى أن ذلك كفارة له».

قال: ويدلّ على أن عرض الرجل نفسه قول حسان:

هجوت محمّدا فأجبت عنهوعند الله فى ذاك الجزاء
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «عفت ذات الأصابع فالجواء»
فإنّ أبى ووالده وعرضىلعرض محمّد منكم وقاء
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «عفت ذات الأصابع فالجواء»

أراد: فإنّ أبى وجدّى ونفسى وقاء لنفس محمد، صلى الله عليه وآله.

وقال آخرون- وهو الصحيح: العرض موضع المدح والذّم من الإنسان، فإذا قيل: ذكر عرض فلان، فمعناه ذكر ما يرتفع به أو ما يسقط بذكره، ويمدح أو يذم به، وقد يدخل فى ذلك ذكر الرجل نفسه، وذكر آبائه وأسلافه؛ لأن كل ذلك مما يمدح به ويذم؛ والّذي يدل على هذا أن أهل اللغة لا يفرّقون فى قولهم: «شتم فلان عرض فلان» بين أن

يكون ذكره فى نفسه بقبيح الأفعال، أو شتم سلفه وآباءه؛ ويدلّ عليه قول مسكين الدارمىّ:

ربّ مهزول سمين عرضهوسمين الجسم مهزول الحسب

فلو كان العرض نفس الإنسان لكان الكلام متناقضا؛ لأن السّمن والهزال يرجعان إلى شيء واحد؛ وإنما أراد: ربّ مهزول كريمة أفعاله، أو كريم آباؤه وأسلافه؛ وقد قال ابن عبدل الأسدىّ:

وإنّى لاستغنى فما أبطر الغنى،وأبذل ميسورى لمن يبتغى قرضى
وأعسر أحيانا فتشتدّ عسرتىوأدرك ميسور الغنى ومعى عرضى

ولا يليق ذلك إلا بما ذكرناه.

قال سيدنا أدام الله تأييده: وجدت أبا بكر بن الأنبارىّ قد ردّ على ابن قتيبة قوله هذا وطعن على ما احتج به، فقال فى

الحديث المروىّ عنه ﵇ فى وصف أهل الجنة: إن المراد بالأعراض مغابن الجسد.

وحكى عن الأموىّ أنه قال: الأعراض المغابن التى تعرق من الجسد؛ نحو الإبطين وغيرهما، وقال فى حديث أبى الدرداء: معناه: من عابك/، وذكر أسلافك، فلا تجازه؛ ليكون الله تعالى هو المثيب لك.

وقال فى قول أبى ضمضم: معناه أنه أحلّ من أوصل إليه أذى بذكره وذكر آبائه فلم يحلّ إلا من أمر إليه.

وقال فى قول حسان: المراد بعرضه أيضا أسلافه؛ كأنه قال: إن أبى ووالده وجميع أسلافى الذين أمدح وأذمّ من جهتهم وقاء له ﵇، فأتى بالعموم بعد الخصوص؛ كما قال الله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ؛، فأتى بالعموم بعد الخصوص؛ ولم أجده ذكر فى خبر سفيان بن عيينة شيئا؛ وتأويله يقرب من تأويل خبر أبى ضمضم، لأنّ من آذى رجلا بسبّه فى نفسه، أو سبّ سلفه وأدخل عليه بذلك وضعا ونقصا لم يكن إلى ورثته بعد موته الإحلال من ذلك، لأن الأذى لم يدخل عليهم، ولو كان داخلا عليهم أيضا مع دخوله على المسبوب لكان إحلالهم مما يرجع إلى غيرهم لا يصحّ؛ على أن فى الإحلال من الضرر وسقوط العوض المستحق عليه، وهل يسقط بإسقاط مستحقه أم لا؟ فيه كلام ليس هذا موضعه، وقد ذكرناه فى مواضع.

وبعد، فلو سلّم لابن قتيبة أنّ المراد بالعرض فى كلّ المواضع التى ذكرناها النفس دون السّلف، أو سلّم له ذلك فى بيت حسان خاصة؛ فإنه أقرب إلى أن يكون المراد به ما ذكره لم يقدح فيما ذكرناه؛ لأنا لم نقل: إن العرض مقصور على سلف الإنسان، بل ذكرنا أنه موضع الذم والمدح من الإنسان، ولا فرق بين سلفه ونفسه؛ فكيف يكون الاحتجاج بما المراد بالعرض فيه النفس طعنا علينا، وإنما ينفع ابن قتيبة أن يأتى بما يدلّ على أن العرض لا يستعمل إلّا فى النفس دون السّلف، وكل شيء فيما المراد بالعرض فيه النفس، أو المراد به السلف فهو مؤكّد لقولنا فى أنّ هذه اللفظة مستعملة فى موضع الذمّ والمدح من الإنسان؛ وإنما يكون ما استشهدنا به، وما جرى مجراه؛ مما يدلّ على استعمال لفظة «العرض» فى السّلف حجة على ابن قتيبة؛ لأنه قصر معناها على النفس والذات، دون السلف؛ وهذا واضح بيّن بحمد الله.

أخبرنا أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزبانىّ قال حدثنا محمد بن الحسن بن دريد قال أخبرنا أبو حاتم

قال: كان أبو عبيدة/ معمر بن المثنّى صفريا، وكان يكتم ذلك؛ فأنشدنى لعمران بن حطّان:

أنكرت بعدك من قد كنت أعرفه،ما الناس بعدك يا مرداس بالناس
إمّا تكن ذقت كأسا دار أوّلهاعلى القرون فذاقوا نهلة الكاس
قد كنت أبكيك حينا ثم قد يئستنفسى فما ردّ عنّى عبرتى ياسى
للشاعر عِمران بن حطان، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مجلس آخر (٤٦)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.