تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

تأويل آية [: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ

]

إن سأل سائل عن قوله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ؛.

فقال: كيف جاءت أَوْ بعد ما لا يجوز أن يعطف عليه؟ وما الناصب لقوله تعالى:

أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ وليس فى الكلام ما يقتضي نصبه؟

الجواب، قلنا: قد ذكر فى ذلك وجوه:

أوّلها أن يكون قوله: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ معطوفا على قوله: لِيَقْطَعَ طَرَفاً والمعنى أنه تعالى عجّل لكم هذا النصر، ومنحكم به ليقطع طرفا من الذين كفروا، أى قطعة منهم، وطائفة من جمعهم أو يكبتهم؛ أى يغلبهم ويهزمهم بكم فيخيّب سعيهم، ويكذّب فيكم ظنونهم، أو يعظهم ما يرون من تظاهر آيات الله تعالى، الموجبة لتصديق/ نبيه صلى الله عليه وآله، فيتوبوا ويؤمنوا، فيقبل الله تعالى ذلك منهم، ويتوب عليهم، أو يكفروا بعد قيام الحجج، وتأكيد البينات والدلائل، فيموتوا أو يقتلوا كافرين؛ فيعذبهم الله باستحقاقهم فى النار؛ ويكون على هذا الجواب قوله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ معطوفا على قوله تعالى: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ؛ أى ليس لك ولا لغيرك من هذا النصر شيء؛ وإنما هو من الله تعالى.

والجواب الثانى أن يكون أَوْ بمعنى «حتى»، أو «إلّا أنّ»؛ والتقدير: ليس لك من الأمر شيء حتى يتوب عليهم؛ أو إلا أن يتوب عليهم، كما قال امرؤ القيس:

بكى صاحبى لمّا رأى الدّرب دونهوأيقن أنا لاحقان بقيصرا
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «سما لك شوق بعدما كان أقصر»
فقلت له: لا تبك عينك إنّمانحاول ملكا، أو نموت فنعذرا
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «سما لك شوق بعدما كان أقصر»

أراد: إلّا أن نموت

وهذا الجواب يضعّف من طريق المعنى؛ لأن لقائل أن يقول: إنّ أمر الخلق ليس إلى أحد سوى الله تعالى قبل توبة العباد وعقابهم بعد ذلك؛ فكيف يصحّ أن يقول: ليس لك من الأمر شيء إلّا أن يتوب عليهم أو يعذبهم؛ حتى كأنه إذا كان أحد الأمرين كان إليه من الأمر شيء!

ويمكن أن ينصر ذلك بأن يقال: قد يصحّ الكلام إذا حمل على المعنى؛ وذلك أن قوله:

لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ معناه: ليس يقع ما تريده وتؤثره من إيمانهم وتوبتهم، أو ما تريده من استئصالهم وعذابهم، على اختلاف الرواية فى معنى الآية وسبب نزولها؛ إلّا بأن يلطف الله لهم فى التوبة فيتوب عليهم أو يعذبهم؛ وتقدير الكلام: ليس ما تريده من توبتهم أو عذابهم بك، وإنما يكون ذلك بالله تعالى.

والجواب الثالث أن يكون المعنى: ليس لك من الأمر شيء أو من أن يتوب الله عليهم؛ فأضمر «من» اكتفاء بالأولى، وأضمر «أن» بعدها لدلالة الكلام عليها واقتضائه لها، وهى مع الفعل الّذي بعدها بمنزلة المصدر؛ وتقدير الكلام: ليس لك من الأمر شيء ومن توبتهم وعذابهم.

ووجدت أبا بكر محمد بن القاسم الأنبارىّ يطعن على هذا الجواب ويستبعده، قال: لأنّ الفعل لا يكون محمولا على إعراب الاسم الجامد، الّذي لا تصرّف له على إضمار «أن» مع الفعل/ لأنه ليس من كلام العرب: «عجبت من أخيك ويقوم»، على معنى: «عجبت من أخيك ومن

أن يقوم»، لأن أخاك اسم جامد محض، لا يعطف عليه إلّا ما شاكله. وقال: وهذا إذا يستقيم ويصلح فى ردّ الفعل على المصدر، كقولهم: «كرهت غضبك وأن يغضب أبوك»؛ على معنى:

«كرهت غضبك وأن يغضب أبوك»، فيطرد هذا فى المصادر، لأنها تتأوّل ب «أن» فيقول النحويون: «يعجبنى قيامك»، وتأويله: «يعجبنى أن تقوم»، قال: والاسم الجامد لا يمكن مثل هذا فيه.

وليس الّذي ذكره ابن الأنبارىّ مستبعدا، وإن لم يضعف هذا الجواب إلّا من حيث ذكر فليس بضعيف؛ وذلك أن فيما امتنع منه مثل الّذي أجازه؛ لأنه قد أجاز ذلك فى المصادر، وإن لم يجزه فى غيرها.

وقوله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ فيه دلالة الفعل، لأنّ «الأمر» مصدر أمرت أمرا؛ فكأنه تعالى قال: ليس لك من أن آمرهم أو تأمرهم شيء، ولا من أن يتوبوا، وجرى ذلك مجرى قولهم: «كرهت غضبك ويغضب أبوك»، فى رد الفعل على المصدر؛ والوجه الأول أقوى الوجوه؛ والله أعلم بمراده.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مجلس آخر (٤٦)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.