من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
تأويل آية [وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ؛:
فقال: كيف خاطب آدم وحواء ﵉ بخطاب الجمع وهما اثنان؟ وكيف نسب بينهما العداوة؟ وأىّ عداوة كانت بينهما؟
الجواب، قلنا قد ذكر فى هذه الآية وجوه:
أولها أن يكون الخطاب متوجّها إلى آدم وحواء وذرّيتهما، لأن الوالدين يدلان على الذرّية ويتعلق بهما؛ ويقوّى ذلك قوله تعالى حاكيا عن إبراهيم وإسماعيل: رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا؛.
وثانيها أن يكون الخطاب لآدم وحواء ﵉ ولإبليس اللعين؛ وأن يكون الجميع مشتركين فى الأمر بالهبوط؛ وليس لأحد أن يستبعد هذا الجواب من حيث لم يتقدم لإبليس ذكر فى قوله تعالى: وَيا آدَمُ اسْكُنْ/ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ؛ لأنه وإن لم يخاطب بذلك فقد جرى ذكره فى قوله تعالى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ،؛ فجائز أن يعود الخطاب على الجميع.
وثالثها أن يكون الخطاب متوجها إلى آدم وحواء والحية التى كانت معهما، على ما روى عن كثير من المفسرين؛ وفى هذا الوجه بعد من قبل أن خطاب من لا يفهم الخطاب لا يحسن؛ فلا بد من أن يكون قبيحا؛ اللهم إلا أن يقال: إنه لم يكن هناك قول فى الحقيقة ولا خطاب؛
وإنما كنّى تعالى عن إهباطه لهم بالقول؛ كما يقول أحدنا: قلت: فلقيت الأمير، وقلت: فضربت زيدا، وإنما يخبر عن الفعل دون القول؛ وهذا خلاف الظاهر وإن كان مستعملا.
وفى هذا الوجه بعد من وجه آخر؛ وهو أنه لم يتقدم للحية ذكر فى نصّ القرآن، والكناية عن غير مذكور لا تحسن إلا بحيث لا يقع لبس، ولا يسبق وهم إلى تعلق الكناية بغير مكنّى عنه؛ حتى يكون ذكره كترك ذكره فى البيان عن المعنى المقصود، مثل قوله تعالى: حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ؛؛ وكُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ؛ وقول الشاعر:
أماوىّ ما يغنى الثّراء عن الفتىإذا حشرجت يوما؛ وضاق بها الصّدر
فأما بحيث لا يكون الحال على هذا فالكناية عن غير مذكور قبيحة.
ورابعها أن يكون الخطاب يختصّ آدم وحواء ﵉، وخاطب الاثنين بالجمع على عادة العرب فى ذلك؛ لأن التثنية أول الجمع؛ قال الله تعالى: إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ؛، أراد لحكم داود وسليمان ﵉؛ وكان بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يتأول قوله تعالى: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ؛ على معنى فإن كان له أخوان؛ قال الراعى:
أخليد إنّ أباك ضاف وسادههمّان باتا جنبة ودخيلا
طرقا فتلك هماهمى أقريهماقلصا لواقح كالقسىّ وحولا
فعبّر بالهماهم وهى جمع عن الهمين؛ وهما اثنان.
فإن قيل: فما معنى الهبوط الّذي أمروا به؟ قلنا: أكثر المفسرين على أن الهبوط هو
النزول من السماء إلى الأرض/، وليس فى ظاهر القرآن ما يوجب ذلك؛ لأن الهبوط كما يكون النزول من علو إلى سفل فقد يراد به الحلول فى المكان والنزول به؛ قال الله تعالى: اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ؛، ويقول القائل من العرب: هبطنا بلد كذا وكذا، يريد حللنا، قال زهير:
ما زلت أرمقهم حتى إذا هبطتأيدى المطىّ بهم من راكس فلقا
فقد يجوز على هذا أن يريد تعالى بالهبوط [الخروج من المكان وحلول غيره؛ ويحتمل أيضا أن يريد بالهبوط] معنى غير المسافة، بل الانحطاط من منزلة إلى دونها، كما يقولون: قد هبط فلان عن منزلته، ونزل عن مكانه؛ إذا كان على رتبة فانحطّ إلى دونها.
فإن قيل: فما معنى قوله: بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ؟ قلنا: أما عداوة إبليس لآدم وذريته فمعروفة مشهورة، وأما عداوة آدم ﵇ والمؤمنين من ذريته لإبليس فهى واجبة لما يجب على المؤمنين من معاداة الكفار؛ المارقين عن طاعة الله تعالى، المستحقين لمقته وعداوته، وعداوة الحية على الوجه الّذي تضمّن إدخالها فى الخطاب لبنى آدم معروفة؛ ولذلك يحذّرهم منها، ويجنبهم؛ فأما على الوجه الّذي يتضمّن أن الخطاب اختص آدم وحواء دون غيرهما؛ فيجب أن يحمل قوله تعالى: بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ على أن المراد به الذرية؛ كأنه قال تعالى: اهْبِطُوا وقد علمت من حال ذريتكم أن بعضكم يعادى بعضا؛ وعلّق الخطاب بهما للاختصاص بين الذرية وبين أصلها.
فإن قيل: أليس ظاهر قوله تعالى: اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ يقتضي الأمر بالمعاداة، كما أنه أمر بالهبوط، وهذا يوجب أن يكون تعالى آمرا بالقبيح على وجه؛ لأن معاداة إبليس لآدم ﵇ قبيحة، ومعاداة الكفار من ذريته للمؤمنين منهم كذلك؟
قلنا: ليس يقتضي الظاهر ما ظننتموه؛ وإنما يقتضي أنه أمرهما بالهبوط فى حال عداوة
بعضهم بعضا؛ فالأمر مختص بالهبوط، والعداوة تجرى مجرى الحال؛ وهذا له نظائر كثيرة فى كلام العرب. ويجرى مجرى هذه الآية فى أن المراد بها الحال قوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ؛ وليس معنى ذلك أنه أراد كفرهم كما أراد تعذيبهم/ وإزهاق نفوسهم؛ بل أراد أن تزهق أنفسهم فى حال كفرهم، وكذلك القول فى الأمر بالهبوط، وهذا بيّن.
قال سيدنا أدام الله تمكينه: ومن مستحسن تمدح السادة الكرام قول الشاعر:
ويل أمّ قوم غدوا عنكم لطيّتهملا يكتنون غداة العلّ والنّهل
صدء السرابيل لا توكى مقانبهمعجر البطون، ولا تطوى على الفضل
قوله: «ويل أم قوم» من الزّجر المحمود الّذي لا يقصد به الشر؛ مثل قولهم: قاتل الله فلانا ما أشجعه! وترّحه ما أسمحه! وقد قيل فى قول جميل:
رمى الله فى عينى بثينة بالقذىوفى الغرّ من أنيابها بالقوادح
إنه أراد هذا المعنى بعينه، وقيل: إنه دعا لها بالهرم وعلوّ السن، لأن الكبير يكثر قذى عينيه وتنهتم أسنانه. وقيل: إنه أراد بعينيها رقيبيها، وبغر أنيابها سادات قومها ووجوههم؛ والأول أشبه بطريقة القوم؛ وإن كان القول محتملا للكل.
فأما قوله:
لا يكتنون غداة العلّ والنّهل
فإنما أنهم ليسوا برعاة يسقون الإبل، بل لهم من يخدمهم ويكفيهم ويرعى إبلهم؛
وإنما يكتنى يرتجز على الدّلو السقاة والرعاة؛ وفيه وجه آخر؛ قيل: إنهم يسامحون شريبهم ويؤثرونه بالسّقى قبل أموالهم؛ ولا يصولون عليه ولا يكتنون؛ وهذا من الكرم والتفضّل لا من الضعف.
وقيل أيضا: بل عنى أنهم أعزاء ذوو منعة، إذا وردت إبلهم ماء أفرج الناس لها عنه؛ لأنها قد عرفت فليس يحتاج أربابها إلى الاكتناء والتعرف.
وقد قال قوم فى قوله: «يكتنون»: إنه من قوله كتنت يده تكتن إذا خشنت من العمل؛ فيقول: ليسوا أهل مهنة، فتكتن أيديهم وتخشن من العمل؛ بل لهم عبيد يكفونهم ذلك.
وقوله: «صدء السرابيل» فإنما أراد به طول حملهم للسلاح ولبسهم له. والمقانب:
هى الأوعية التى يكون فيها الزاد؛ فكأنه يقول: إذا سافروا لم يشدّوا الأوعية على ما فيها وأطعموا أهل الرفقة؛ وهذه كناية عن الإطعام وبذل/ الزاد مليحة. وعجر البطون: من صفات المقانب؛ أراد أنها لا توكأ، ولا تطوى على فضل الزاد.
ولبعض شعراء بنى أسد، وأحسن غاية الإحسان:
رأت صرمة لابنى عبيد تمنّعتمن الحقّ لم تؤزل بحقّ إفالها
فقالت: ألا تغذو فصالك هكذافقلت: أبت ضيفانها وعيالها
فما حلبت إلّا الثلاثة والثّنىولا قيّلت إلّا قريبا مقالها
حدابير من كلّ العيال كأنّهاأناضىّ شقر حلّ عنها جلالها
شكا هذا الشاعر امرأته، وحكى عنها أنها رأت إبلا لجيرانها لم تعط فى حمالة، ولم تعقر فى حق، ولم تحلب لضيف ولا جار؛ فهى سمان. وقوله: «لم تؤزل إفالها» والإفال:
الصّغار، وتؤزل؛ من الأزل وهو الضّيق فى العيش والشدّة؛ فيقول: فصال هؤلاء سمان لم تلق بؤسا؛ لأن ألبان أمهاتها موفورة عليها.
وحكى عن امرأته أنها تقول له: غذّ أنت فصالك هكذا؛ فقال لها: تأبى ذلك الحقوق وعيالها؛ وهم الجيران والضيفان.
ثم أخبر أنه لم يلتفت إلى لومها، وأنّ الإبل ما حلبت بعد مقالتها إلا مرتين أو ثلاث.
ولا قيّلت، من القائلة إلا بقرب البيوت حتى نحرها ووهبها.
والحدابير: المهازيل؛ وإنما يعنى فصاله وهزالها لأجل أنها لا تسقى الألبان؛ وتعقر أمهاتها، وأناضىّ: جمع نضو، فشبه فصاله من هزالها بأنضاء خيل شقر.
وقوله: «حدابير من كل العيال» فيه معنى حسن؛ لأنه أراد أنها من بين جميع العيال:
مهازيل؛ وهذا تأكيد، لأن سبب هزالها هو الإيثار بألبانها؛ واختصّت بالهزال من بين كلّ العيال. والعيال هاهنا هم الجيران والضيفان؛ وإنما جعلهم عيالا لكرمه وأن جوده قد ألزمه مودّتهم؛ فصاروا كأخص عياله.
ومثل ذلك قول الشاعر:
تعيّرنى الحظلان أمّ محلّمفقلت لها: لا تقذفينى بدائيا
فإنّى رأيت الضّامرين متاعهميذمّ ويفنى، فارضخى من وعائيا
فلم تجدينى فى المعيشة عاجزاولا حصرما خبّا شديدا وكائيا
الحظلان: الممسكون البخلاء، والحظل الإمساك. وأم محلّم: امرأته. ومعنى قوله:
«تعيرنى الحظلان» أى بالحظلان؛ تقول: ما لك لا تكون مثل هؤلاء الذين يحفظون أموالهم.
والضامرون أيضا: البخلاء؛ فقال لها: رأيت البخلاء يضنّون بما عندهم وهو يفنى ويبقى الذّم، فارضخى من وعائى؛ وهذا مثل؛ أى أعطى الناس مما عندى؛ وهو من قولك:
رضخ له بشيء من عطيته. والحصرم: الممسك؛ تقول العرب حصرم قوسك، أى شدّد وترها.
وقوله:
فلم تجدينى فى المعيشة عاجزا
أى أنا صاحب غارات، أفيد وأستفيد وأتلف وأخلف فلا تخافى الفقر-
وقال مسكين الدارمىّ:
أصبحت عاذلتى معتلّةقرما، أم هى وحمى للصّخب
أصبحت تتفل فى شحم الدّرىوتظنّ اللّوم درّا ينتهب
لا تلمها إنها من أمّةملحها موضوعة فوق الرّكب
يقول: إنها تكثر لومى؛ وكأنها قرمة إلى اللوم، كقرم الأشبال إلى اللحم، وهى وحمى تشتهى الصخب. والوحم: شدة شهوة الطعام عند الحمل.
وشحم الذّرى. الأسنمة؛ وأراد ب «تتفل» فيها أى تعوّذ إبلى لتزيّنها فى عينى؛ وتعظم قدرها، فلا أهب منها ولا أنحر؛ ثم أخبر أن أصلها من الزّنج. والملح: الشحم، وشحم الزّنج
يكون على أوراكهم وأكفالهم وأنشد أبو العباس محمد بن يزيد:
أي ابنة عبد الله وابنة مالكويا ابنة ذى البرد بن والفرس الورد
إذا ما صنعت الزّاد فالتمسى لهأكيلا؛ فإنّى لست آكله وحدى
قصيّا كريما، أو قريبا فإنّنىأخاف مذمّات الأحاديث من بعدى
وإنّى لعبد الضّيف ما دام نازلاوما من صفاتى غيرها شيمة العبد
قال أبو العباس: استثنى الكرم فى القصيّ البعيد، ولم يستثنه فى القريب؛ لأن أهله جميعا عنده كرام. وأراد بقوله: «عبد الضيف» أنه يخدم الضيف هو بنفسه لا يرضى أن يخدمه عبده.
قال سيدنا أدام الله علوّه: ويشبه ذلك قول المقنّع الكندىّ:
/ وإنّى لعبد الضّيف ما دام نازلاوما بي سواها خلّة تشبه العبدا
وإنما اشترط فى كونه عبدا للضيف فى البيت الأول والثانى [ثواءه ونزوله] مؤثرا له؛ ليعلم [أن الخدمة لضيفه لم تكن لضعة قدره]، بل لما يوجبه الكرم من حق الأضياف، وأنه يخرج عن أن يكون مخدوما بخروجه من أن يكون ضيفا. ولو قال: «وإنى لعبد الضيف» ولم يشرط لم يحصل هذا المعنى الجليل.
مجلس آخر
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع