من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
تأويل آية [حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ؛:
الجواب، قلنا: أمّا التنور فقد ذكر فى معناه وجوه:
أولها أنّه أراد بالتنوّر وجه الأرض؛ وأنّ الماء نبع وظهر على وجه الأرض وفار؛ وهذا قول عكرمة، وقال ابن عباس مثله، والعرب تسمى وجه الأرض تنوّرا.
وثانيها أن يكون المعنى أن الماء نبع من أعالى الأرض، وفار من الأماكن المرتفعة منها؛ وهذا قول قتادة؛ وروى عنه فى قوله تعالى: وَفارَ التَّنُّورُ؛ قال: ذكر لنا أنه أرفع الأرض وأشرفها.
وثالثها أن يكون المراد ب فارَ التَّنُّورُ أى برز النّور، وظهر الضوء، وتكاثفت حرارة دخول النهار، وتقضّى الليل. وهذا القول يروى عن أمير المؤمنين ﵇.
ورابعها أن يكون المراد بالتنوّر الّذي يختبز فيه على الحقيقة؛ وأنه تنور كان لآدم ﵇. وقال قوم: إن التّنّور كان فى دار نوح ﵇ بعين وردة من أرض الشام. وقال آخرون: بل كان التنّور فى ناحية الكوفة؛ والّذي روى عنه أن التنّور هو تنور الخبز الحقيقى ابن عباس والحسن ومجاهد وغيرهم.
وخامسها أن يكون معنى ذلك: اشتدّ غضب الله تعالى عليهم، وحلّ وقوع نقمته بهم؛ فذكر تعالى التّنّور مثلا لحضور العذاب، كما تقول العرب: قد حمى الوطيس؛ إذا اشتد الحرب، وعظم الخطب. والوطيس هو التّنّور. وتقول العرب أيضا: قد فارت قدر القوم إذا اشتد حربهم؛ قال الشاعر:
تفور علينا قدرهم فنديمهاونفثؤها عنّا إذا حميها غلا
أراد بقدرهم حربهم، ومعنى نديمها: نسكّنها، ومن ذلك الحديث المروى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه نهى عن البول فى الماء الدائم؛ يعنى الساكن. ويقال: قد دوّم الطائر فى الهواء، إذا بسط جناحيه وسكنهما ولم بخفق بهما. ونفثؤها، معناه نسكّنها؛ يقال: قد فثأت غضبه عنى، وفثأت الحارّ بالبارد/ إذا كسرته به.
وسادسها أن يكون التنّور الباب الّذي يجتمع فيه ماء السفينة؛ فجعل فوران الماء منه والسفينة على الأرض علما على ما أنذر به من إهلاك قومه؛ وهذا القول يروى عن الحسن.
وأولى الأقوال بالصواب قول من حمل الكلام على التنّور الحقيقى؛ لأنه الحقيقة وما سواه مجاز؛ ولأن الروايات الظاهرة تشهد له؛ وأضعفها وأبعدها من شهادة الأثر قول من حمل ذلك على شدة الغضب واحتداد الأمر تمثيلا وتشبيها؛ لأن حمل الكلام على الحقيقة التى تعضدها الرواية أولى من حمله على المجاز والتوسع مع فقد الرواية.
وأىّ المعانى أريد بالتنوّر فإن الله تعالى جعل فوران الماء منه علما لنبيّه؛ وآية تدلّ على نزول العذاب بقومه؛ لينجو بنفسه وبالمؤمنين.
فأما قوله تعالى: مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ فقد قيل: المراد به: احمل من كلّ ذكر وأنثى اثنين، وإنه يقال لكل واحد من الذكر والأنثى زوج.
وقال آخرون: الزوجان هاهنا الضربان؛ وقال آخرون: الزوج: اللون؛ وإن كل ضرب يسمى زوجا؛ واستشهدوا ببيت الأعشى:
وكلّ زوج من الدّيباج يلبسهأبو قدامة مجبورا بذاك معا
ومعنى مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ؛ أى من أخبر الله تعالى بعذابه وحلول الهلاك به.
والله أعلم بمراده.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع