من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
تأويل خبر [«رأيت النبي صلى الله عليه وآله فى المنام وأنا أشكو إليه ما لقيت من الأود واللّدد»]
إن سأل سائل عن الخبر الّذي يرويه شريك بن عمار الدّهني عن أبى صالح الحنفىّ عن أمير المؤمنين ﵇ أنه قال: «رأيت النبي صلى الله عليه وآله فى المنام وأنا أشكو إليه ما لقيت من الأود واللّدد».
الجواب، يقال له: أما الأود فهو الميل، تقول العرب: لأقيمنّ ميلك، وجنفك، وأودك، ودرأك، وضلعك، وصدغك، وظلعك (بالظاء)، وصغوك، وصعرك، وصددك؛ كل هذا بمعنى واحد.
وقال ثعلب: الأود إذا كان من الإنسان فى كلامه ورأيه فهو عوج؛ وإذا كان فى الشيء المنتصب مثل عصا/ وما أشبهها فهو عوج؛ وهذا قول الناس كلّهم إلا أبا عمرو الشيبانىّ؛
فإنه قال: العوج، بالكسر: الاسم، والعوج، بالفتح: المصدر. وقال ثعلب: كأنه مصدر عوج يعوج عوجا؛ ويقال: عصا معوجّة، وعود معوج؛ وليس فى كلامهم معوّج.
وأما اللّدد؛ فقيل: هو الخصومات، وقال ثعلب: يقال رجل ألدّ، وقوم لدّ إذا كانوا شديدى الخصومة؛ ومنه قول الله تعالى: وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ؛.
وقال الأموىّ: اللدد: الاعوجاج، والألدّ فى الخصومة: الّذي ليس بمستقيم، أى هو أعوج الخصومة؛ يميل فلا يقوى عليه ولا يستمكن منه، ومن ذلك قولهم: لدّ الصّبىّ، وإنما يلدّ فى شقّ فيه؛ وليس «يلدّ» مستقيما؛ فهو يرجع إلى معنى الميل والاعوجاج. وقال:
فسّر لنا الحكم بن ظهير، فقال: ألدّ الخصام، أى أعوج الخصام، وأنشد أبو السمح لابن مقبل:
لقد طال عن دهماء لدي وعذرتىوكتمانها أكنى بأمّ فلان
جعلت لجهّال الرّجال مخاضةولو شئت قد بيّنتها بلسانى
اللّد: الجدال والخصومة.
وقال أبو عمرو: الألد: الّذي لا يقبل الحق، ويطلب الظلم.
وقوله: «مخاضة» يقول: إنهم يخوضون فى شعرى ويطلبون معانيه، فلا يقفون عليه.
وأنشد أبو السمح:
لا تفتر الكذب القبيح فإنّهللمرء معيبة وباب لئام
واصدق بقولك حين تنطق؛ إنّهللصّدق فضل فوق كلّ كلام
وإذا صدقت على الرّجال خصمتهموالصّدق مقطعة على الظّلام
وإذا رماك غشوم قوم فارمهبألدّ مشتغر المدى غشّام
لا تعرضنّ على العدوّ وسيلةواحذر عدوّك عند كلّ مقام
واعلم بأنه ليس يوما نافعاعند اللّئيم وسائل الأرحام
ما لم يخفك ويلق عندك جانباخشنا وتصبحه بكأس سمام
وإذا حللت بمأزق فاكرم بهحتّى تفرّج حلبة الإظلام
/ واصبر على كرب البلاء فإنّهليس البلاء على الفتى بلزام
واعلم بأنّك ميّت ومحدّثعمّا فعلت معاشر الأقوام
معنى قوله «مشتغر المدى»، أى بعيد المدى.
ومعنى قوله:
لا تعرضنّ على العدوّ وسيلة
أى لا تقاربه ولا تصانعه ولا يكن بينك وبينه إلا صدق العداوة.
وأنشد أيضا شاهدا لما تقدم:
يا وهب أشبه باطلى وجدّىأشبهت أخلاقى فأشبه مجدى
وجدّ لى عند الخصوم اللّدّ
قال سيدنا أدام الله تمكينه: ومن أحسن ما وصف به الثغر قول فضالة بن وكيع البكرىّ:
تبسّم عن حمّ اللّثات كأنّهاحصى برد أو أقحوان كثيب
إذا ارتفعت عن مرقد علّلت بهمن اليانع الغورىّ فرع قضيب
قضيب نجاه الرّكب أيام عرّفوالها من ذرى مال النّبات خضيب
يعنى من يانع الأراك. ومعنى نجاه، أى قطعه، ومثله استنجاه أيضا، ومال النبات، أى ناعمه وحسنه، يقال: عشب مال ومادّ، سواء، أى ميّاد ناعم.
ومعنى- أيام عرفوا، أى اجتنوه من عرفات، وذكر أنه خضيب بالطيب الّذي بيديها لإدمانها لاستعماله.
وقال الأخطل يصف ثغرا:
شتيتا يرتوى الظمآن منهإذا الجوزاء أجحرت الضّبابا
الشتيت: المفرق المفلّج الّذي ليس بمتراكب-
ومعنى قوله:
إذا الجوزاء أجحرت الضبابا
فيه وجهان: أحدهما أنه أراد عند سقوط الجوزاء؛ وذلك فى شدة البرد وطول الليل إذا اتجحرت الضباب من البرد، وتغيرت الأفواه لطول ليل الشتاء؛ يقول: فثغرها حينئذ عذب غير متغيّر.
والوجه الآخر أنه أراد عند طلوع الجوزاء فى شدة الحر إذا انجحرت الضّباب من شدة الحر والقيظ؛ فالظمآن حينئذ أشدّ عطشا وأحرّ غلّه/، فريقها يرويه ويبرد غلّته.
وقال آخر:
فويل بها لمن تكون ضجيعهإذا ما الثّريّا ذبذبت كلّ كوكب
قوله: «فويل بها» من الزّجر المحمود: مثل قولهم: ويل أمه ما أشجعه! فكأنه يقول: نعم الضجيع هى عند السّحر، إذا تحادرت النجوم للمغيب، كما قال ذو الرّمة:
وأيدى الثّريّا جنّح فى المغارب
ومثل قول الآخر:
نعم شعار الفتى إذا برد اللّيل سحيرا وقفقف الصّرد
وإنما يعنى أنها فى ذلك الوقت الّذي تتغير فيه الأفواه طيبة الريق عذبته.
وأنشد أبو العباس المبرّد لأم الهيثم:
وعارض كجانب العراقأنبت برّاقا من البرّاق
يذاق مثل العسل المراق
قال أبو العباس: فى هذا قولان:
أحدهما أنه وصفت ثغرا. وعارضاه: جانباه، والعراق: ما يثنى ثم يخرز كعراق القربة، فأخبرت أنه ليس فيه اعوجاج ولا تراكب ولا نقص.
وقولها:
أنبت براقا من البرّاق
أى ما تنبته الأرض إذا مطرت من النّور.
قال المبرّد: والقول الأول عندنا أصح لذكرها العسل.
وأنشد أحمد بن يحيى لتأبط شرا:
وشعب كشلّ الثّوب شكس طريقهمجامع ضوجيه نطاف مخاصر
تعسّفته باللّيل لم يهدنى لهدليل، ولم يحسن له النّعت خابر
قال: يعنى بالشّعب فم جارية. كشلّ الثوب، يعنى كفّ الثوب إذا خاطه الخيّاط.
والشّكس: الضيّق، يصفها بصغر الفم وحسنه ورقّة الشفتين. وضوجاه: جانباه وضوج الوادى/: جانبه؛ ويعنى بالنّطاف: الريق. والمخاصر: الباردة، من الخصر.
وقوله: «لم يهدنى له دليل»؛ أى لم يصل إليه غيرى، كما قال جرير:
ألا ربّ يوم قد شربت بمشربشفى الغيم، لم يشرب به أحد قبلى
الغيم والغين: العطش؛ وإنما يعنى ريق جارية.
قال المبرّد وقال آخرون: بل يعنى شعبا من الشّعاب مخوفا ضيّقا، سلكه وحده.
قال أبو العباس: إنما كنى بالشّعب عن فم جارية؛ ثم أخذ فى وصف الشّعب؛ ليكون الأمر أشدّ التباسا.
قال سيدنا أدام الله علوّه: والأشبه أن يكون أراد شعبا حقيقيّا، لأن تأبط شرا كان لصا وصّافا للأهوال التى تمضى به، ويعاينها فى تلصّصه. وكان كثيرا ما يصف تدلّيه من الجبال، وتخلّصه من المضايق، وقطعه المفاوز، وأشباه ذلك؛ والقطعة التى فيها البيتان كلّها تشهد بأن الوصف لشعب لا لفم جارية؛ لأنه يقول بعد قوله: «وشعب
كشلّ الثوب»:
لدن مطلع الشّعرى، قليل أنيسهكأنّ الطّخا فى جانبيه معاجر
به من نجاء الدّلو بيض أقرّهاخبار لصمّ الصخر فيه قراقر
وقرّرن حتّى كنّ للماء منتهىوغادرهنّ السّيل فيما يغادر
به نطف زرق قليل ترابهاجلا الماء عن أرجائها فهو حائر
وهذه الأوصاف كلّها لا تليق إلا بالشّعب دون غيره؛ وتأوّل ذلك على الفم تأوّل بعيد.
وقد أحسن كثيّر فى قوله يصف ثغرا:
ويوم الحبل قد سفرت وكفّترداء العصب عن رتل براد
وعن نجلاء تدمع فى بياضإذا دمعت وتنظر فى سواد
وعن متكاوس فى العقص جثلأثيث النبت ذى غدر جعاد
وقال أبو تمام فى هذا المعنى:
/ وعلى العيس خرّد يتبسّمن عن الأشنب الشّتيت البراد
كان شوك السيّال حسنا فأضحىدونه للفراق شوك القتاد
وقال البحترىّ:
وأرتنا خدّا يراح له الورد، ويشتمه جنى التّفّاح
وشتيتا يغضّ من لؤلؤ النّظم، ويزرى على شتيت الأقاحى
فأضاءت تحت الدّجنّة للشّرب، وكادت تضيء للمصباح
وقال أيضا:
سفرت كما سفر الرّبيع الطّلق عنورد يرقرقه الضّحى مصقول
وتبسّمت عن لؤلؤ فى رصفهبرد يردّ حشاشة المتبول
وقد جمع كلّ ما يوصف به الثّغر فى قوله:
كأنما تضحك عن لؤلؤمنضّد أو برد أو أقاح
مجلس آخر
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع