من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
تأويل آية [وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ]
إن سأل سائل عن تأويل قوله تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ؛.
فقال: أوليس ظاهر هذا الكلام يقتضي جواز الحجاب عليه وأنتم تمنعون من ذلك!
الجواب، قلنا: ليس فى الآية أكثر من ذكر الحجاب، وليس فيها أنه حجاب له تعالى أو لمحلّ كلامه أو لمن يكلّمه. وإذا لم يكن فى الظاهر شيء من ذلك جاز صرف الحجاب إلى غيره ﷿؛ مما يجوز أن يكون محجوبا. وقد يجوز أن يريد تعالى بقوله:
أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أنه يفعل كلاما فى جسم محتجب على المكلّم، غير معلوم له على سبيل التفصيل، فيسمع المخاطب الكلام ولا يعرف محلّه على طريق التفصيل، فيقال على هذا: هو مكلّم من وراء حجاب.
وروى عن مجاهد فى قوله تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً قال: هو داود أوحى فى صدره فزبر الزّبور، أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ وهو موسى، أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا وهو جبريل إلى محمد صلى الله عليه وآله.
فأما الجبّائىّ فإنه ذكر أنّ المراد بالآية: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا مثل ما يكلّم به عباده من الأمر بطاعته، والنهى لهم عن معاصيه، وتنبيهه إيّاهم على ذلك من جهة الخاطر أو المنام، وما أشبه ذلك على سبيل الوحى.
قال: وإنما سمى الله تعالى ذلك وحيا لأنه خاطر وتنبيه، وليس هو كلاما لهم على سبيل الإفصاح، كما يفصح الرجل منّا لصاحبه إذا خاطبه. والوحى فى اللغة إنما هو ما جرى مجرى الإيماء والتنبيه على شيء من غير أن يفصح به؛ فهذا هو معنى ما ذكره الله تعالى فى الآية.
قال: وعنى بقوله: أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أن يحجب ذلك الكلام عن جميع خلقه، إلا من يريد أن يكلّمه به؛ نحو كلامه تعالى لموسى ﵇، لانه حجب ذلك عن جميع الخلق إلا موسى ﵇ وحده فى كلامه إياه أولا. فأما كلامه إياه فى المرة الثانية فإنه إنما أسمع ذلك موسى والسبعين الذين كانوا معه، وحجب عن جميع الخلق سواهم. فهذا معنى قوله ﷿:
أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ، لأن الكلام هو الّذي كان محجوبا عن الناس.
وقد يقال: إنه تعالى حجب عنهم موضع الكلام الّذي أقام الكلام فيه؛ فلم يكونوا يدرون من أين يسمعونه؛ لأنّ الكلام عرض لا يقوم إلا فى جسم.
ولا يجوز أن يكون أراد بقوله: أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أنّ الله تعالى كان مِنْ وَراءِ حِجابٍ/ يكلّم عباده؛ لأن الحجاب لا يجوز إلّا على الأجسام المحدودة.
قال: وعنى بقوله: أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إرساله ملائكته بكتبه وبكلامه إلى أنبيائه ﵈، ليبلّغوا عنه ذلك عباده على سبيل إنزاله القرآن على محمد صلى الله عليه وآله، وإنزاله سائر الكتب على أنبيائه.
فهذا أيضا ضرب من الكلام الّذي يكلّم الله تعالى عباده ويأمرهم فيه بطاعته، وينهاهم عن معاصيه؛ من غير أن يكلّمهم على سبيل ما كلم به موسى، وهذا الكلام هو خلاف الوحى الّذي ذكره الله تعالى فى أول الآية لأنه قد أفصح لهم فى هذا الكلام بما أمرهم به ونهاهم عنه.
والوحى الّذي ذكره تعالى فى أول الآية إنّما هو تنبيه وخاطر، وليس فيه إفصاح.
وهذا الّذي ذكره أبو عليّ أيضا سديد، والكلام محتمل لما ذكره.
ويمكن فى الآية وجه آخر، وهو أن يكون المراد بالحجاب البعد والخفاء، ونفى الظهور. وقد تستعمل العرب لفظة «الحجاب» فيما ذكرناه؛ يقول أحدهم لغيره إذا استبعد فهمه، واستبطأ فطنته: بينى وبينك حجاب، وتقول للأمر الّذي تستبعده وتستصعب طريقه: بينى وبين هذا الأمر حجب وموانع وسواتر؛ وما جرى مجرى ذلك؛ فيكون
معنى الآية: أنّه تعالى لا يكلّم البشر إلّا وحيا؛ بأن يخطر فى قلوبهم، أو بأن ينصب لهم أدلة تدلّهم على ما يريده أو يكرهه منهم؛ فيكون من حيث نصبها للدلالة على ذلك والإرشاد إليه مخاطبا ومكلّما للعباد بما يدلّ عليه. وجعل هذا الخطاب من وراء حجاب من حيث لم يكن مسموعا- كما يسمع الخاطر وقول الرسول- ولا ظاهرا معلوما لكل من أدركه؛ كما أن أقوال الرسل المؤدّين عنه تعالى من الملائكة بهذه الصفة. فصار الحجاب هاهنا كناية عن الخفاء وعبارة عمّا تدلّ عليه الدلالة. وليس لأحد أن يقول: إنّ الّذي تدلّ عليه الأجسام من صفاته تعالى وأحواله ومراده. ولا يقال: إنّه تعالى مكلّم لنا به؛ وذلك أنه غير ممتنع على سبيل التجوّز أن يقال فيما يدلّ عليه الدليل الّذي نصبه الله تعالى ليدل على مراده، ويرشد إليه: إنه مكلّم لنا ومخاطب به؛ ولا يمتنع المسلمون أن يقولوا: إنه تعالى خاطبنا بما دلّت عليه الأدلة العقلية، وأمرنا بعبادته واجتناب ما كرهه منا، وفعل ما أراده، وهكذا يقولون فيمن فعل فعلا يدل على أمر من الأمور:
قد خاطبنا فلان بما فعل من كذا وكذا، وقال لنا، وأمرنا؛ وزجرنا، وما أشبه ذلك من الألفاظ التى يجرونها على الكلام الحقيقى. وهذا الاستعمال أكثر وأظهر من أن يورد أمثلته ونظائره.
قال سيدنا أدام الله تمكينه: ومن مستحسن ما قيل فى الذئب قول أسماء بن خارجة ابن حصن الفزارىّ:
ولقد ألمّ بنا لنقريهبادى الشّقاء محارف الكسب
يدعو الغنى أن نال علقتهمن مطعم غبّا إلى غبّ
وطوى ثميلته وألحقهابالصّلب بعد لدونة الصّلب
يا ضلّ سعيك ما صنعت بماجمّعت من شبّ إلى دبّ!
لو كنت ذا لبّ تعيش بهلفعلت فعل المرء ذى اللّبّ
وجمعت صالح ما احترفت وماجمّمت من نهب إلى نهب
وأظنّه شغبا تدلّ بهفلقد منيت بغاية الشّغب
أو كان غير مناصل نعصى بهامشحوذة وركائب الرّكب
فاعمد إلى أهل الوقير فمايخشاك غير مقرمص الزّرب
أحسبتنا ممّن تطيف بهفاخترتنا للأمن والخصب
وبغير معرفة ولا سببأنّى، وشعبك ليس من شعبى
لمّا رأى أن ليس نافعهجدّ تهاون صادق الإرب
وألحّ إلحاحا لحاجتهشكوى الضّرير ومزجر الكلب
بادى التّكلّح يشتكى سغباوأنا ابن قاتل شدّة السّغب
/ فرأيت أن قد نلته بأذىمن عذم مثلبة ومن سبّ
ورأيت حقّا أن أضيّفهإذ أمّ سلمى واتّقى حربى
فوقفت معتاما أزاولهابمهنّد ذى رونق عضب
فعرضته فى ساق أسمنهافاجتاز بين الحاذ والكعب
فتركته لعياله جزراعمدا وعلّق رحلها صحبى
ذكر ذئبا طرقه ليلا.
وقوله: «محارف الكسب» مثل ضربه، أى لا يبقى له نشب إلا شيء يكتسبه.
وقوله:
يدعو الغنى أن نال علقته
أى إن وجد ما يتعلّق به من مطعم.
غبّا: أى بين يومين، فذلك عنده الغنى.
والثّميلة: ما يبقى فى البطن من طعام أو علف، ومعنى طوى ثميلته: ذهب بها، وأراد أنه لم يبق فى بطنه ما يمسكه. واللدونة: اللين، واللدن: اللين، فأراد أنه ألحق بقية طعامه بصلبه بعد أن لان ما صلب منها.
ثم أقبل على الذئب كالعاذل له فقال: ما صنعت بما جمعت من شبّ إلى دبّ! وهذان اسمان للشباب والهرم لا يفردان ولا يلفظ بهما إلا هكذا، والمعنى فيهما: هو منذ كنت شابا حتى أن دببت على العصا، ثم قال: لو كنت ذا لبّ لجمعت ما تصيبه.
ومعنى «احترفت» اكتسبت. ومعنى «من نهب إلى نهب»؛ أى من عدوتك على الغنم إلى العدوة الأخرى.
ثم قال: إن كان تعرّضك لنا شغبا علينا فقد منيت بغاية الشّغب؛ أى هو ينافرك ويقاتلك، وليس هاهنا ما تغير عليه، وإنما معنا «مناصل» أى سيوف مشحوذة، وركائبنا التى نمتطيها؛ فاعمد إلى أهل الوقير، والوقير: القطيع من الغنم، ولا يسمّى ووقيرا إلا إذا كان فيه حمار؛ يقول: فعليك بمواضع الغنم فإنما يخشاك الراعى.
والمقرمص: الّذي يتخذ القرموصة، وأصله المكان الضيّق، وهو هاهنا
حفرة يحتفرها الراعى فى الرمل فى شدة الحر للشاة الكريمة الصفيّة؛ حتى إذا بركت كان ضرعها فى القرموصة.
ومعنى «شعبك ليس من شعبى»، أى لست من جنسى ولا شكلى.
والإرب: الخديعة عند الحاجة
وشكوى الضرير: الّذي قد مسه الضرّ. ومزجر الكلب، أى هو قريب المكان بقدر مزجر الكلب إذا زجرته، أى إذا خسأته.
والسّغب: الجوع؛ وأراد/ بقوله:
وأنا ابن قاتل شدة السّغب
أى أنا ابن من كان يقرى ويطعم.
ثم رجع إلى كرمه فقال: ورأيت بعد ما سببته وعضضته بالأذى والعذم أن أضيفه وأقريه لأنه ضيف وإن كان ذئبا، فوقفت أنظر فى ركائبى وأختار أسمنها. والاعتيام: الاختيار؛ وأزاولها: ألابسها. والحاذان: حدّا الفخذين اللذين يليان الذنب.
وخبّر أن رحل المطيّة التى عقرها علّقه بعض أصحابه على مطية أخرى.
وقال النجاشىّ يذكر ذئبا:
وماء كلون الغسل قد عاد آجناقليل به الأصوات فى بلد محل
وجدت عليه الذّئب يعوى كأنّهخليع خلا من كلّ مال ومن أهل
فقلت له: يا ذئب هل لك فى فتىيواسى بلا منّ عليك ولا بخل؟
فقال: هداك الله للرّشد! إنّمادعوت لما لم يأته سبع قبلى
فلست بآتيه ولا أستطيعهولاك اسقنى إن كان ماؤك ذا فضل
فقلت: عليك الحوض إنّى تركتهوفى صغوه فضل القلوص من السّجل
فطرّب يستعوى ذئابا كثيرةوعدّيت، كلّ من هواه على شغل
وروى أن الفرزدق نزل بالغريّين فعراه بأعلى ناره ذئب، فأبصره مقعيا يصيء ومع الفرزدق مسلوخة، فرمى إليه بيد فأكلها، فرمى إليه بما بقى فأكله؛ فلما شبع ولى عنه فقال:
وليلة بتنا بالغريّين ضافناعلى الزّاد موشيّ الذّراعين أطلس
تلمّسنا حتى أتانا ولم يزللدن فطمته أمّه يتلمّس
فلو أنّه إذ جاءنا كان دانيالألبسته لو أنه يتلبّس
ولكن تنحّى جنبة بعد ما دنافكان كقاب القوس أو هو أنفس
فقاسمته نصفين بينى وبينهبقيّة زاد والرّكائب نعّس
وكان ابن ليلى إذ قرى الذّئب زادهعلى طارف الظّلماء لا يتعبّس
***/ ولابن عنقاء الفزارىّ، واسمه قيس بن بجرة- وقيل بجرة بالضم- الأبيات المشهورة فى الذئب:
وأعوج من آل الصّريح كأنّهبذى الشّثّ سيد آبه الليل جائع
بغى كسبه أطراف ليل كأنّهوليس به ظلع من الخمص ظالع
فلمّا أتاه الرّزق من كلّ وجهةجنوب الملا وآيسته المطامع
طوى نفسه طىّ الجرير كأنّهحوى حيّة فى ربوة، فهو هاجع
فلمّا أصابت متنه الشّمس حكّهبأعصل، فى أنيابه السّمّ ناقع
وفكّك لحييه فلمّا تعادياصأى ثمّ أقعى، والبلاد بلاقع
وهمّ بأمر ثمّ أزمع غيره،وإن ضاق رزق مرّة فهو واسع
وعارض أطراف الصّبا وكأنّهرجاع غدير هزّه الرّيح رائع
ولآخر فى الذئب:
فقلت: تعلّم أنّنى غير نائمإلى مستقلّ بالخيانة أنيبا
بعيد المطاف لا يفيد على الغنىولا يأتلى ما اسطاع إلّا تكسّبا
معنى «أنيب» غليظ الناب. لا أنام إليه، أى لا أثق به، من ذلك استنمت إلى فلان أى اطمأننت إليه.
ومعنى «لا يفيد على الغنى» أى لا يلتمس مطعما وهو شبعان.
ولحميد بن ثور فى الذئب:
فظلّ يراعى الجيش حتى تغيّبتحباش، وحالت دونهنّ الأجارع
إذا ما غدا يوما رأيت غيابةمن الطّير ينظرن الّذي هو صانع
خفيف المعا إلّا مصيرا يبلّهدم الجوف أو سؤر من الحوض ناقع
هو البعل الدّانى من النّاس كالذىله صحبة وهو العدوّ المنازع
ينام بإحدى مقلتيه ويتّقىبأخرى المنايا، فهو يقظان هاجع
/ وصف ذئبا يتبع الجيش طمعا فى أن يتخلف رجل يثب عليه لأنه من بين السباع لا يرغب
فى القتلى، ولا يكاد يأكل إلا ما فرسه.
وحباش: اسم هضبة. وقال بعضهم: وليس بمعروف أن حباش اسم من أسماء الشمس:
وأخبر أن الطير تتبعه لتصيب مما يقتل.
والمصير: المعا. والبعل: الدّهش.
مجلس آخر
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع