تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

تأويل آية [وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ. فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ]

إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ. فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ؛.

فقال: كيف ذكر تعالى هذا بعد ذكره البقرة والأمر بذبحها؟ وقد كان ينبغى أن يتقدّمه، لأنه إنما أمر بذبح البقرة لينكشف أمر القاتل، فكيف أخّر ذكر السبب عن المسبب، وبنى الكلام بناء يقتضي أنه كان بعده؟

ولم قال: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً، والرواية وردت بأن القاتل كان واحدا؟ وكيف يجوز أن يخاطب الجماعة بالقتل والقاتل بينها واحد! وإلى أىّ شيء وقعت الإشارة بقوله تعالى:

كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى؟.

الجواب، قيل له: أما قوله تعالى؛ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً ففيه وجهان:

أولهما أن تكون هذه الآية- وإن أخّرت- فهى مقدّمة فى المعنى على الآية التى ذكرت فيها البقرة؛ ويكون التأويل: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها فسألتم موسى فقال: إنّ الله يأمركم أن تذبحوا بقرة، فأخر المقدم وقدم المؤخر؛ ومثل هذا فى القرآن وكلام العرب كثير.

ومثله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً. قَيِّماً.

وقال الشاعر:

إنّ الفرزدق صخرة ملمومةطالت- فليس تنالها- الأوعالا

أراد: طالت الأوعال فليس تنالها.

ومثله:

طاف الخيال وأين منك لماما!فارجع لزورك بالسّلام سلاما
للشاعر جرير، من قصيدة «طاف الخيال وأين منك لماما»

أراد: طاف الخيال لماما وأين هو منك!

والوجه الثانى أن يكون وجه تأخير قوله تعالى: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً أنه علّق بما هو متأخر فى الحقيقة، وواقع بعد ذبح البقرة، وهو قوله تعالى: فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى؛ لأن الأمر بضرب المقتول ببعض البقرة إنما هو بعد الذبح؛ فكأنه تعالى قال: فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ ولأنكم قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها أمرناكم أن تضربوه ببعضها، لينكشف أمره. فأما إخراج الخطاب مخرج ما يتوجّه إلى الجميع مع أن القاتل واحد فعلى عادة العرب فى خطاب الأبناء بخطاب الآباء والأجداد، وخطاب العشيرة بما يكون من أحدها؛ فيقول أحدهم: فعلت بنو تميم كذا، وقتل بنو فلان فلانا؛ وإن كان القاتل والفاعل واحدا من بين الجماعة؛ ومنه قراءة من قرأ: يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ؛ بتقديم المفعولين على الفاعلين؛ وهو اختيار الكسائى وأبى العباس ثعلب؛ فيقتل بعضهم ويقتلون؛ وهو أبلغ فى وصفهم، وأمدح لهم، لأنهم إذا قاتلوا وقتلوا بعد أن قتل بعضهم كان ذلك أدلّ على شجاعتهم وقلة جزعهم وحسن صبرهم.

وقد قيل: إنه كان القاتلان اثنين، قتلا ابن عم لهما، وإن الخطاب جرى عليهما بلفظ الجمع؛ كما قال تعالى: وَكُنَّا

لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ

؛ يريد داود وسليمان

عليهما السلام؛ والوجه الأول أولى وأقوى بشهادة الاستعمال الظاهر له، ولأن أكثر أهل العلم أجمعوا على أن القاتل كان واحدا.

ومعنى فَادَّارَأْتُمْ فتدارأتم؛ أى تدافعتم، وألقى بعضكم القتل على بعض؛ يقال: دارأت فلانا إذا دافعته وداريته، إذا لاينته، ودريته إذا ختلته؛ ويقال: ادّرأ القوم إذا تدافعوا.

والهاء فى قوله: فَادَّارَأْتُمْ فِيها تعود إلى النفس، وقيل: إنها تعود على القتلة، أى اختلفتم فى القتلة؛ لأن قَتَلْتُمْ تدل على المصدر؛ والقتلة من المصادر، تدل عليها الأفعال، ورجوع الهاء إلى النفس أولى وأشبه بالظاهر.

فأما قوله تعالى: كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى فالإشارة وقعت به إلى قيام المقتول عند ضربه ببعض أعضاء البقرة؛ لأنه روى أنه قام حيا وأوداجه تشخب دما، فقال: قتلنى فلان!

ونبّه الله تعالى بهذا الكلام وبذكر هذه القصة على جواز ما أنكره مشركو قريش واستبعدوه من البعث وقيام الأموات؛ لأنهم قالوا: أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً؛؛ فأخبرهم الله تعالى بأنّ الّذي/ أنكروه واستبعدوه هيّن عليه، غير متعذر فى اتساع قدرته.

وكان مما ضرب تعالى لهم من الأمثال، ونبّههم عليه من الأدلة ذكر المقتول الّذي ضرب ببعض البقرة فقام حيا. وأراد تعالى: أننى إذا كنت قد أحييت هذا المقتول بعد خروجه عن الحياة، ويئس قومه من عوده وانطواء خبر كيفية قتله عنهم، ورددته حيا مخاطبا باسم قاتله؛ فكذلك فاعلموا أن إحياء جميع الأموات عند البعث لا يعجزنى ولا يتعذر عليّ. وهذا بين لمن تأمله.

قال سيدنا أدام الله علوّه: ومن الشعر المشهور بالجودة فى ذم الدنيا والتذكير بمصائبها قول

نهشل بن حرّىّ يرثى أخاه مالكا:

ذكرت أخى المخوّل بعد يأسفهاج عليّ ذكراه اشتياقى
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة
فلا أنسى أخى ما دمت حيّاوإخوانى بأقرنة العناق
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة
يجرّون الفصال إلى النّدامىبروض الحزن من كنفى أفاق
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة
ويغلون السّباء إذا أتوهبضمر الخيل والشّول الحقاق
إذا اتّصلوا وقالوا: يا لغوث!وراحوا فى المحبّرة الرّقاق
أجابك كلّ أروع شمّرىّرخىّ البال منطلق الخناق
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة
أناس صالحون نشأت فيهمفأودوا بعد إلف واتساق
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة
مضوا لسبيلهم ولبثت عنهمولكن لا محالة من لحاق
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة
كذى الإلف الّذي أدلجن عنهفحنّ ولا يتوق إلى متاق
أرى الدّنيا ونحن نعيث فيهامولّية تهيّأ لانطلاق
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة
أعاذل قد بقيت بقاء قيسوما حىّ على الدّنيا بباق
[هبطت السّيلحين وذات عرقوأوردت المطىّ على حذاق]
كأنّ الشّيب والأحداث تجرىإلى نفس الفتى فرسا سباق
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة
فإما الشّيب يدركه وإمايلاقى حتفه فيما يلاقى
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة
/ فإن تك لمّتى بالشّيب أمستشميط اللّون واضحة المشاق
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة
فقد أغدو بداجية أرانىبها المتطلّعات من الرّواق
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة

الداجية: اللمّة السوداء. وأرانى: «أفاعل»، من المراناة-

إلى كأنّهنّ ظباء قفربرهبى، أو بباعجتى فتاق
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة
يرامضن الحبال لغير وصلوليس حبال وصلى بالرّماق
وعهد الغانيات كعهد قينونت عنه الجعائل مستذاق
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة

القين: الحداد، والجعائل: جمع جعالة وهى أجرته، وأراد أن القين إذ عدم الجعالة رحل ولم يستقرّ فى مكان-

كجلب السّوء يعجب من رآهولا يشفى الحوائم من لماق
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة

الجلب: الغيم الّذي لا مطر فيه، والحوائم: العطاش، ولماق: شيء قليل-

فلا يبعد مضائى فى الموامىوإشرافى العلاية وانصفاقى
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة
وغبراء القتام جلوت عنّىبعجلى الطّرف سالمة المآقى
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة
وقد طوّفت فى الآفاق حتىسئمت النّصّ بالقلص العتاق
وكم قاسيت من سنة جمادتعضّ اللّحم ما دون العراق
إذا أفنيتها بدّلت أخرىأعدّ شهورها عدّ الأواقى
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة
وأفنتني الشّهور وليس تفنىوتعداد الأهلّة والمحاق
وما سبق الحوادث ليث غابيجرّ لعرسه جزر الرّفاق
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة
[كميت تعجز الحلفاء عنهكبغل المرج حطّ من الزّناق]
[تنازعه الفريسة أم شبلعبوس الوجه فاحشة العناق]
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة
ولا بطل تفادى الخيل منهفرار الطّير من برد بعاق
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة
[كريم من خزيمة أو تميمأغرّ على مساعفة مزاق]
[فذلك لن تخاطأه المنايافكيف يقيه طول الدهر واق]

وأحسن حارثة بن بدر الغدانىّ فى قوله:

يا كعب ما راح من قوم ولا ابتكرواإلّا وللموت فى آثارهم حادى
للشاعر حارثة بن بدر الغداني، اقرأ القصيدة
/ يا كعب ما طلعت شمس ولا غربتإلّا تقرّب آجالا لميعاد
للشاعر حارثة بن بدر الغداني، اقرأ القصيدة

ولأبى العتاهية فى هذا المعنى:

إذا انقطعت عنى من العيش مدّتىفإنّ بكاء الباكيات قليل
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «ألا هل إلى طول الحياة سبيل»
سيعرض عن ذكرى وتنسى مودّتىويحدث بعدى للخليل خليل
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «أرى علل الدينا علي كثيرة»
أجلّك قوم حين صرت إلى الغنىوكلّ غنىّ فى العيون جليل
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «ألا هل إلى طول الحياة سبيل»
وليس الغنى إلا غنى زيّن الفتىعشيّة يقرى أو غداة ينيل
ولم يفتقر يوما وإن كان معدماجواد ولم يستغن قطّ بخيل
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «ألا هل إلى طول الحياة سبيل»
إذا مالت الدّنيا إلى المرء رغّبتإليه، ومال النّاس حيث يميل
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «ألا هل إلى طول الحياة سبيل»
أرى علل الدّنيا عليّ كثيرةوصاحبها حتى الممات عليل
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «ألا هل إلى طول الحياة سبيل»
وإنّى وإن أصبحت بالموت موقنافلى أمل دون اليقين طويل
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «ألا هل إلى طول الحياة سبيل»

وقد أحسن البحترىّ فى قوله فى هذا المعنى:

أخىّ متى خاصمت نفسك فاحتشدلها، ومتى حدّثت نفسك فاصدق
للشاعر البحتري، من قصيدة «أخي متى خاصمت نفسك فاحتشد»
أرى علل الأشياء شتّى ولا أرى التجمّع إلّا غاية للتّفرّق
للشاعر البحتري، من قصيدة «أخي متى خاصمت نفسك فاحتشد»
أرى العيش ظلّا توشك الشّمس نقلهفكس فى ابتغاء العيش كيسك أومق
للشاعر البحتري، من قصيدة «أخي متى خاصمت نفسك فاحتشد»
أرى الدّهر غولا للنّفوس وإنمايقى الله فى بعض المواطن من يقى
للشاعر البحتري، من قصيدة «أخي متى خاصمت نفسك فاحتشد»
فلا تتبع الماضى سؤالك لم مضىوعرّج على الباقى فسائله لم بقى
للشاعر البحتري، من قصيدة «أخي متى خاصمت نفسك فاحتشد»
ولم أر كالدّنيا خليلة صاحبمحبّ متى تحسن بعينيه تعنق
تراها عيانا وهى صنعة واحدفتحسبها صنعى لطيف وأخرق
للشاعر البحتري، من قصيدة «أخي متى خاصمت نفسك فاحتشد»

وقد قيل إن السبب فى خروج البحترىّ عن بغداد فى آخر أيامه كان هذه الأبيات؛ لأن بعض أعدائه شنّع عليه بأنه ثنوىّ من حيث قال:

فتحسبها صنعى لطيف وأخرق

وكانت العامة حينئذ غالبة على البلد، فخاف على نفسه فقال لابنه أبى الغوث: قم يا بنيّ حتى نطفئ عنا هذه الثائرة بخرجة نلمّ فيها ببلدنا؛ فخرج ولم يعد.

وأحسن أيضا غاية الإحسان فى قوله:

أغشى الخطوب فإمّا جئن مأربتىفيما أسيّر أو أحكمن تأديبى
للشاعر البحتري، من قصيدة «أتاركي أنت أم مغرى بتعذيبي»
إن تلتمس أخلاف الخطوب وإنتلبث مع الدّهر تسمع بالأعاجيب

وفى قوله:

متى تستزد فضلا من العمر تغترفبسجليك من شهد الخطوب وصابها
للشاعر البحتري، من قصيدة «معاد من الأيام تعذيبنا بها»
تشذّبنا الدّنيا بأخفض سعيهاوغول الأفاعى بلّة من لعابها
للشاعر البحتري، من قصيدة «معاد من الأيام تعذيبنا بها»
يسرّ بعمران الدّيار مضلّلوعمرانها مستأنف من خرابها
للشاعر البحتري، من قصيدة «معاد من الأيام تعذيبنا بها»
ولم أرتض الدّنيا أوان مجيئهافكيف ارتضائيها أوان ذهابها!
للشاعر البحتري، من قصيدة «معاد من الأيام تعذيبنا بها»
أفول لمكذوب عن الدّهر زاغ عنتخيّر آراء الحجى وانتخابها
سيرديك أو يثويك أنّك محلسإلى شقّة يبكيك بعد مآبها
وهل أنت فى مرموسة طال أخذهامن الأرض إلا حفنة من ترابها
للشاعر البحتري، من قصيدة «معاد من الأيام تعذيبنا بها»

وجدت الآمدىّ يروى فى هذا البيت «أنك محبس» بالباء؛ وتفسير ذلك أنّ المعنى أنك موقوف إلى أن تصير إلى هذا؛ من قولك: أحبست فرسا فى سبيل الله، وأحبست دارا؛ أى أى وقفتها. والرواية المشهورة: «أنك مجلس» باللام؛ والمعنى أنك متهيئ للرحيل ومتخذ حلسا.

والحلس: هو الكساء الّذي يوضع تحت الرحل؛ وهذا أشبه بالمعنى الّذي قصده البحترىّ؛ وأولى بأن يختاره؛ مع دقة طبعه وسلامة ألفاظه.

مجلس آخر

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.