تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

تأويل آية [وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ]

إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ؛. فقال: كيف يكون ذلك، والفرقان هو القرآن، ولم يؤت موسى القرآن، وإنما اختصّ به محمد صلى الله عليه وآله؟

الجواب، قلنا: قد ذكر فى ذلك وجوه:

أولها أن يكون الفرقان بمعنى الكتاب المتقدم ذكره؛ وهو التوراة، فلا يكون هاهنا اسما للفرقان المنزل على محمد صلى الله عليه وآله، ويحسن نسقه على الكتاب لمخالفته للفظه؛ كما قال تعالى: الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ؛، وإن كانت الحكمة مما يتضمنها الكتاب، وكتب الله تعالى كلها فرقان، يفرق بين الحق والباطل، والحلال/ والحرام.

ويستشهد على هذا الوجه بقول طرفة:

فما لى أرانى وابن عمّى مالكامتى أدن منه ينأ عنّى ويبعد
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لخولة أطلال ببرقة ثهمد»

فنسق «يبعد» على «ينأ» وهو بعينه، وحسّن ذلك اختلاف اللفظين. وقال عدى بن زيد:

وقدّمت الأديم لراهشيهوألفى قولها كذبا ومينا
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة

والمين الكذب.

وثانيها أن يكون الكتاب عبارة عن التوراة، والفرقان انفراق البحر الّذي أوتيه موسى ﵇.

وثالثها أن يراد بالفرقان الفرق بين الحلال والحرام، والفرق بين موسى وأصحابه المؤمنين وبين فرعون وأصحابه الكافرين؛ لأنّ الله تعالى قد فرق بينهم فى أمور كثيرة؛ منها أنه نجّى هؤلاء وأغرق أولئك.

ورابعها أن يكون الفرقان المراد به القرآن المنزّل على نبينا صلى الله عليه وآله؛ ويكون المعنى فى ذلك: وآتينا موسى التوراة والتصديق والإيمان بالفرقان الّذي هو القرآن؛ لأن موسى ﵇ كان مؤمنا بمحمد صلى الله عليه وآله وما جاء به، ومبشرا ببعثته. وساغ حذف القبول والإيمان والتصديق وما جرى مجراه وإقامة الفرقان مقامه؛ كما ساغ فى قوله تعالى:

وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ؛، وهو يريد أهل القرية.

وخامسها أن يكون المراد الفرقان القرآن، ويكون تقدير الكلام: وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ الّذي هو التوراة، وَآتينا محمدا الْفُرْقانَ، فحذف ما حذف مما يقتضيه الكلام؛ كما حذف الشاعر فى قوله:

تراه كأنّ الله يجدع أنفهوعينيه إن مولاه كان له وفر
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «ومولى كمولى الزبرقان دملته»

أراد: ويفقأ عينيه؛ لأن الجدع لا يكون بالعين؛ واكتفى ب «يجدع» من «يفقأ».

وقال الشاعر:

تسمع للأحشاء منه لغطاولليدين جسأة وبددا

أى وترى لليدين؛ لأنّ الجسأة والبدد لا يسمعان وإنما يريان.

وقال الآخر:

علفتها تبنا وماء بارداحتّى شتت همّالة عيناها

أراد وسقيتها ماء باردا، فدلّ علفت على سقيت.

وقال الآخر:

يا ليت بعلك قد غدامتقلّدا سيفا ورمحا

أراد حاملا رمحا.

ووجدت أبا بكر بن الأنبارىّ يقول: إن الاستشهاد بهذه الأبيات لا يجوز على هذا الوجه؛ لأنّ الأبيات اكتفى فيها بذكر فعل عن ذكر فعل غيره، والآية اكتفى فيها باسم دون اسم

والأمر وإن كان على ما قاله فى الاسم والفعل؛ فإن موضع الاستشهاد صحيح؛ لأن الاكتفاء فى الأبيات بفعل عن فعل إنما حسن من حيث دلّ الكلام على المحذوف والمضمر واقتضاه، فحذف تعويلا على أن المراد مفهوم غير ملتبس ولا مشتبه.

وهذا المعنى قائم فى الآية، وإن كان المحذوف اسما؛ لأن اللبس قد زال، والشبهة قد أمنت فى المراد بها؛ فحسن الحذف؛ لأن الفرقان إذا كان اسما للقرآن؛ وكان من المعلوم أن القرآن إنما أنزل على نبينا صلى الله عليه وآله دون موسى ﵇ استغنى عن ان يقال: وآتينا محمدا الفرقان؛ كما استغنى الشاعر أن يقول: ويفقأ عينيه، وترى لليدين جسأة وبددا، وما شاكل ذلك.

إلا أنه يمكن أن يقال فيما استشهد به فى جميع الأبيات مما لا يمكن أن يقال مثله فى الآية؛ وهو أنّه يقال: لا محذوف، ولا تقدير لفعل مضمر؛ بل الكلام فى كلّ بيت منها محمول على المعنى؛ ومعطوف عليه؛ لأنه لما قال:

تراه كأنّ الله يجدع ألفه

وكان معنى الجدع هو الإفساد للعضو والتشويه به عطف على المعنى، فقال: «وعينيه» فكأنه قال: كأنّ الله يجدع أنفه، أى يفسده ويشوّهه، ثم قال: «وعينيه». وكذلك لما كان السامع للغط من الأحشاء عالما به عطف على المعنى فقال: «ولليدين جسأة وبددا»؛ أى أنّه يعلم هذا وذاك معا؛ وكذلك لما كان فى قوله: «علفت» معنى غذيت عطف

عليه الماء؛ لأنه مما

يغتذى به؛ وكذلك لما كان المتقلّد للسيف حاملا له جاز أن يعطف عليه الرمح المحمول.

وهذا أولى فى الطعن على الاستشهاد بهذه الأبيات مما ذكره ابن الأنبارىّ.

أخبرنا أبو الحسن على بن محمد الكاتب قال أخبرنا محمد بن يحيى الصولىّ قال أخبرنا يحيى بن على بن يحيى/ المنجم قال أخبرنا أحمد بن يحيى بن جابر البلاذرىّ عن الهيثم بن عدىّ قال: لما دخل خالد بن صفوان الأهتمىّ على هشام بن عبد الملك- وذلك بعد عزله خالد ابن عبد الله القسرىّ- قال: فألفيته جالسا على كرسىّ فى بركة ماؤها إلى الكعبين، فدعا لى بكرسىّ فجلست عليه؛ فقال يا خالد، ربّ خالد جلس مجلسك كان ألوط بقلبى، وأحبّ إلى منك! فقلت: يا أمير المؤمنين؛ إنّ حلمك لا يضيق عنه، فلو صفحت عن جرمه! فقال: يا خالد؛ إنّ خالدا أدلّ فأملّ، وأوجف فأعجف؛ ولم يدع لراجع مرجعا، ولا لعودة موضعا. ثم قال: ألا أخبرك عنه يا ابن صفوان! قلت: نعم، قال: إنه ما بدأنى بسؤال حاجة مذ قدم العراق حتى أكون أنا الّذي أبدؤه بها، قال خالد: فذاك أحرى أن ترجع إليه، فقال متمثلا:

إذا انصرفت نفسى عن الشّيء لم تكدإليه بوجه آخر الدّهر تقبل
للشاعر معن بن أوس المزني، اقرأ القصيدة

ثم قال: حاجتك يا ابن صفوان، قلت: تزيدنى فى عطائى عشرة دنانير، فأطرق ثم قال:

ولم؟ وفيم؟ العبادة أحدثتها فنعينك عليها، أم لبلاء حسن أبليته عند أمير المؤمنين؟

أم لماذا يا ابن صفوان؟ إذا يكثر السؤال، ولا يحتمل ذلك بيت المال. قال: فقلت:

يا أمير المؤمنين؛ وفّقك الله وسدّدك، أنت والله كما قال أخو خزاعة:

إذا المال لم يوجب عليك عطاءهقرابة قربى، أو صديق توامقه
منعت- وبعض المنع حزم وقوّة-ولم تفتلتك المال إلّا حقائقه
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «وقلن وقد يكذبن فيك تعيف»

فلما قدم خالد البصرة، قيل له: ما الّذي حملك على تزيين الإمساك له؟ قال: أحببت أن يمنع غيرى كما منعنى، فيكثر من يلومه.

قال سيدنا أدام الله علوّه: وكان خالد مشهورا بالبلاغة وحسن العبارة.

وبالإسناد المتقدم عن المدائنىّ قال: قال حفص بن معاوية بن عمرو الغلابىّ، قلت لخالد: يا أبا صفوان، إنى لأكره أن تموت وأنت من أيسر أهل البصرة فلا يبكيك إلا الإماء، قال: فابغنى امرأة، قلت: صفها لى أطلبها لك، قال: أريد بكرا كثيّب، أو ثيّبا كبكر، لا ضرعا صغيرة، ولا مسنّة كبيرة؛ لم تقرأ فتجبن، ولم تفتّ فتمجن؛ قد نشأت فى نعمة، وأدركتها خصاصة، فأدّبها الغنى، وأذلّها الفقر، حسبى من جمالها أن تكون فخمة من بعيد، مليحة من قريب؛ وحسبى من حسنها أن تكون واسطة قومها، ترضى منى بالسّنة؛ إن عشت أكرمتها، وإن متّ ورّثتها، لا ترفع رأسها إلى السماء نظرا، ولا تضعه إلى الأرض سقوطا. فقلت: يا أبا صفوان؛ إنّ الناس فى طلب هذه مذ زمان طويل فما يقدرون عليها.

وكان يقول: إن المرأة لو خفّ محملها، وقلّت مئونتها ما ترك اللئام فيها للكرام بيتة ليلة؛ ولكن ثقل محملها، وعظمت مئونتها فاجتباها الكرام، وحاد عنها اللئام.

وكان خالد من أشحّ الناس وأبخلهم؛ كان إذا أخذ جائزة أو غيرها قال للدرهم:

أما والله لطالما أغرت فى البلاد وأنجدت؛ والله لأطيلن ضجعتك، ولأديمنّ صرعتك.

وسأله رجل من بنى تميم فأعطاه دانقا، فقال: يا سبحان الله! أتعطى مثلى دانقا! فقال له: لو أعطاك كلّ رجل من بنى تميم مثل ما أعطيتك لرحت ذا مال عظيم.

وسأله رجل، فأعطاه درهما فاستقلّه، فقال: يا أحمق، أما علمت أنّ الدرهم عشر العشرة، والعشرة عشر المائة، والمائة عشر الألف، والألف عشر دية مسلم! وكان يقول: والله ما تطيب نفسى بإنفاق درهم إلا درهما قرعت به باب الجنة، أو درهما اشتريت به موزا.

وقال: لأن يكون لى ابن يحب الخمر أحبّ إلى من أن يكون لى ابن يحبّ اللحم؛ لأنه متى طلب اللحم وجده، والخمر يفقده أحيانا.

وكان يقول: من كان ماله كفافا فليس بغنىّ ولا فقير؛ لأن النائبة إذا نزلت به أجحفت بكفافه؛ ومن كان ماله دون الكفاف فهو فقير، ومن كان ماله فوق الكفاف فهو غنىّ.

وكان يقول: لأن يكون لأحدكم جار يخاف أن ينقب عليه بيته خير من أن يكون له جار من التجار؛ لا يشاء أن يعطيه مالا ويكتب به عليه صكّا إلا فعل.

مجلس آخر

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.