تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

تأويل آية أخرى [ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ. انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ/ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ]

إن سأل سائل عن قوله تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ. انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ/ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ؛ وعن قوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ؛.

فقال: كيف يقع من أهل الآخرة نفى الشرك عن أنفسهم، والقسم بالله تعالى عليه وهم كاذبون فى ذلك؛ مع أنهم عندكم فى تلك الحال لا يقع منهم شيء من القبيح لمعرفتهم بالله تعالى ضرورة؛ ولأنهم ملجئون هناك إلى ترك جميع القبائح، وكيف قال من بعد: وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ فشهد عليهم بالكذب، ثم علّقه بما لا يصح فيه معنى الكذب وهو التمنى؛ لأنهم تمنوا ولم يخبروا!

الجواب، قلنا: أول ما نقوله: إنه ليس فى ظاهر الآية ما يقتضي أن قولهم: ما كُنَّا مُشْرِكِينَ إنما وقع فى الآخرة دون الدنيا؛ وإذا لم يكن ذلك فى الظاهر جاز أن يكون الإخبار يتناول حال الدنيا، وسقطت المسألة؛ وليس لأحد أن يتعلّق فى وقوع ذلك فى الآخرة بقوله تعالى قبل الآية: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ؛ وأنه عقّب ذلك بقوله تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ؛ فيجب أن يكون الجميع مختصا بحال الآخرة؛ لأنه لا يمنع أن تكون الآية تتناول ما يجرى فى الآخرة، ثم تتلوها آية تتناول ما يجرى فى الدنيا؛ لأن مطابقة كل آية لما قبلها فى مثل هذا

غير واجبة، وقوله تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ لا تدلّ أيضا على أن ذلك يكون واقعا بعد ما خبر تعالى عنه فى الآية

الأولى؛ فكأنه تعالى قال على هذا الوجه: إنا نحشرهم فى الآخرة ونقول: أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون؟ وما كان فتنتهم وسبب ضلالهم فى الدنيا إلا قولهم:

وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ.

وقد قيل فى الآية- على تسليم أنّ هذا القول يقع منهم فى الآخرة-: إنّ المراد به أنا ما كنا عند نفوسنا وفى اعتقادنا مشركين؛ بل كنا نعتقد أنا على الحق والهدى، وقوله تعالى من بعد:

انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لم يرد هذا الخبر الّذي وقع منهم فى الآخرة؛ بل إنهم كذبوا على أنفسهم فى دار الدنيا بإخبارهم/ أنهم مصيبون محقّون غير مشركين؛ وليس فى الظاهر إلا أنهم كذبوا على أنفسهم من غير تخصيص بوقت؛ فلم يحمل على آخرة دون دنيا.

ولو كان للآية ظاهر يقتضي وقوع ذلك فى الآخرة لحملناه على الدنيا؛ بدلالة أن أهل الآخرة لا يجوز أن يكذبوا لأنهم ملجئون إلى ترك القبيح.

فأما قوله تعالى حاكيا عنهم: يا لَيْتَنا نُرَدُّ وقوله تعالى: فإنّهم لَكاذِبُونَ فمن الناس من حمل الكلام كله على وجه التمنى؛ فصرف قوله تعالى: وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ إلى غير الأمر الّذي تمنوه؛ [لأن التمنى لا يصح معه الصدق والكذب]؛ لأنهما إنما يدخلان فى الأخبار المحضة؛ لأن قول القائل: ليت الله رزقنى ولدا؛ وليت فلانا أعطانى مالا أفعل به كذا وكذا لا يكون كذبا ولا صدقا؛ وقع ما تمناه أو لم يقع؛ فيجوز على هذا أن يكون قوله تعالى: وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ مصروفا إلى حال الدنيا، كأنه تعالى قال: وهم كاذبون فيما يخبرون به عن أنفسهم فى الدنيا من الإضافة واعتقاد الحق؛ أو يريد أنّهم كاذبون أن خبّروا عن أنفسهم أنهم متى ردوا آمنوا ولم يكذبوا؛ وإن كان ما كان مما حكى عنهم من التمنى ليس بخبر.

وقد يجوز أيضا أن يحمل قوله تعالى: وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ على غير الكذب الحقيقىّ؛ بل يكون المراد والمعنى أنهم تمنوا ما لا سبيل إليه فكذب أملهم وتمنّيهم؛ وهذا مشهور فى الكلام؛ لأنهم يقولون لمن تمنى ما لا يدرك: كذب أملك، وأكدى رجاؤك؛ وما جرى مجرى ذلك؛ قال الشاعر:

كذبتم وبيت الله لا تأخذونهامراغمة ما دام للسّيف قائم
للشاعر عمرو بن بَرّاقَة، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

كذبتم وبيت الله لا تنكحونهابنى شاب قرناها تصرّ وتحلب

ولم يرد الكذب فى الأقوال؛ بل فى التمنى والأمل.

وليس لأحد أن يقول: كيف يجوز من أهل الآخرة مع معارفهم الضرورية، وأنهم عالمون بأنّ الرجوع إلى الدنيا لا سبيل إليه أن يتمنوه؛ وذلك أنه غير ممتنع أن يتمنى المتمنّى ما يعلم أنّه لا يحصل ولا يقع؛ ولهذا يتعلّق التمنى للشيء/ بألّا يكون ما قد كان. ولقوّة اختصاص التمنى بما يعلم أنه لا يكون غلط قوم فجعلوا إرادة ما علم المريد أنه لا يكون تمنيا؛ فهذا الّذي ذكرناه وجه فى تأويل الآية.

وفى الناس من يجعل بعض الكلام تمنّيا وبعضه إخبارا، وعلّق تكذيبهم بالخبر دون لَيْتَنا؛ فكان تقدير الآية: يا ليتنا نرد- وهذا هو التمنى- ثم قال من بعد: فإنّا لا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فأخبروا بما علم الله تعالى أنهم فيه كاذبون؛ وإن لم يعلموا من أنفسهم مثل ذلك؛ فلهذا كذّبهم الله تعالى. وكل هذا واضح.

أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدثنى أحمد بن عبد الله، وعبد الله بن يحيى العسكريّان قالا: حدثنا الحسن بن عليل العنزىّ قال حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله العبدىّ قال حدثنا

أبو مسعر - رجل منا من بنى غنم بن عبد القيس- قال: ورد منصور بن سلمة النّمرىّ على البرامكة، وهو شيخ كبير- وكان مروان بن أبى حفصة صديقا لى؛ على أنى كنت أبغضه وأمقته فى الله- فشكا إلى وقال: دخل علينا اليوم رجل أظنه شاميا- وقد تقدمته البرامكة فى الذكر عند الرشيد- فأذن له، فدخل فسلّم وأجاد، فأذن له الرشيد، فجلس. قال:

فأوجست منه خوفا فقلت: يا نفس، أنا حجازىّ نجدى شافهت العرب وشافهتنى، وهذا شامىّ؛ أفتراه أشعر منى! قال: فجعلت أرفو نفسى إلى أن استنشده هارون؛ فإذا هو والله من أفصح الناس، فدخلنى له حسد؛ قال: فأنشده قصيدة تمنيت أنها لي؛ وأنّ عليّ غرما، فقلت له: ما هى؟ قال: أحفظ منها أبياتا، وهى:

أمير المؤمنين إليك خضناغمار الموت من بلد شطير
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
بخوص كالأهلّة جانفاتتميل على السّرى وعلى الهجير
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
حملن إليك آمالا عظاماومثل الصخر والدّرّ النّثير
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
فقد وقف المديح بمنتهاهوغايته وصار إلى المصير
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
إلى من لا تشير إلى سواه- إذا ذكر النّدى- كفّ المشير
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة

/ قال مروان: فوددت أنه قد أخذ جائزتى وسكت. وعجبت من تخلّصه إلى تلك القوافى.

ثم ذكر ولد أمير المؤمنين عليّ ﵇، فأحسن التخلص، ورأيت هارون يعجب بذلك؛ فقال:

يد لك فى رقاب بنى عليّومنّ ليس بالمنّ اليسير
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
فإن شكروا فقد أنعمت فيهموإلّا فالنّدامة للكفور
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
مننت على ابن عبد الله يحيىوكان من الحتوف على شفير
وقد سخطت لسخطتك المناياعليه؛ فهى حائمة النّسور
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
ولو كافأت ما اجترحت يداهدلفت له بقاصمة الظّهور
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
ولكن جلّ حلمك واجتباهعلى الهفوات عفو من قدير
فعاد كأنّه لم يجن ذنباوقد كان اجتنى حسك الصدور
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
وإنّك حين تبلغهم أذاة- وإن ظلموا- لمحترق الضّمير

وإن الرشيد قال لما سمع هذا البيت: هذا والله معنى كان فى نفسى؛ وأدخله بيت المال فحكّمه فيه.

عدنا إلى الخبر، قال مروان: وكان هارون يبسم ويكاد يضحك للطف ما سمع؛ ثم أومأ إلى أن أنشد، فأنشدته قصيدتى التى أقول فيها:

خلّوا الطّريق لمعشر عاداتهمحطم المناكب كلّ يوم زحام
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «طاف الخيال وحيه بسلام»

حتى أتيت على آخرها؛ فو الله ما عاج ذلك الرجل/- يعنى النمرىّ- بشعرى، ولا حفل به.

قال: وأنشده منصور يومئذ:

إنّ لهارون إمام الهدىكنزين من أجر ومن برّ
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
يريش ما تبرى اللّيالى ولاتريش أيديهنّ ما يبرى
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
كأنّما البدر على رحلهترميك منه مقلتا صقر
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة

قال وأنشده أيضا:

ولمن أضاع لقد عهدتك حافظالوصيّة العبّاس بالأخوال
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة

/ قال مروان: وأخلق به أن يغلبنى وأن يعلو عليّ عنده؛ فإنى ما رأيت أحسن من تخلّصه إذا ذكر الطالبيّين.

أخبرنا المرزبانىّ قال حدثنى أبو عبد الله الحكيمىّ قال حدثنى يموت بن المزرّع قال حدثنى أبو عثمان الجاحظ قال: كان منصور النّمرىّ ينافق الرشيد ويذكر هارون فى شعره؛ ويريه أنّه من وجوه شيعته، وباطنه ومراده بذلك أمير المؤمنين ﵇، لقول النبي صلى الله عليه وآله: «أنت منى بمنزلة هارون من موسى»؛ إلى أن وشى عنده بعض أعدائه- وهو العتّابىّ- فقال: يا أمير المؤمنين، هو والله الّذي يقول:

متى يشفيك دمعك من همولويبرد ما بقلبك من غليل!

وأنشده أيضا:

شاء من النّاس راتع هامليعلّلون النّفوس بالباطل
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة

ومنصور يصرّح فى هذه القصيدة بالعجائب؛ فوجّه الرشيد برجل من فزارة، وأمره أن يضرب عنق منصور حيث تقع عينه عليه؛ فقدم الرجل رأس عين بعد موت منصور بأيام قلائل.

قال المرزبانىّ: ويصدّق قول الجاحظ أنّ النّمرىّ كان يذكر هارون فى شعره؛ وهو يعنى به أمير المؤمنين عليّا ﵇ ما أنشدناه محمد بن الحسن بن دريد للنّمرىّ:

آل الرّسول خيار الناس كلّهموخير آل رسول الله هارون
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
رضيت حكمك لا أبغى به بدلالأنّ حكمك بالتّوفيق مقرون

وروى أنّ أبا عصمة الشيعىّ لما أوقع بأهل ديار ربيعة أوفدت ربيعة وفدا إلى الرشيد، فيهم منصور النّمرىّ؛ فلما صاروا بباب الرشيد أمرهم باختيار من يدخل عليه، فاختاروا عددا بعد عدد، إلى أن اختاروا رجلين؛ النّمرىّ أحدهما؛ ليدخلا ويسألا حوائجهما- وكان

النّمرىّ مؤدبا، لم يسمع منه شعر قط قبل ذلك، ولا عرف به- فلما مثل هو وصاحبه بين يدى الرشيد قال لهما: قولا ما تريدان، فاندفع النّمرىّ فأنشد:

ما تنقضى حسرة منّى ولا جزع

فقال له الرشيد: قل حاجتك وعدّ عن هذا، فقال:

إذا ذكرت شبابا ليس يرتجع

/ وأنشده القصيدة حتى أتى إلى قوله:

ركب من النّمر عاذوا بابن عمّهممن هاشم إذ ألحّ الأزلم الجذع
متّوا إليك بقربى منك تعرفهالهم بها فى سنام المجد مطّلع
إنّ المكارم والمعروف أوديةأحلّك الله منها حيث تجتمع
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
إذا رفعت امرأ فالله رافعهومن وضعت من الأقوام متّضع
نفسى فداؤك والأبطال معلمةيوم الوغى والمنايا بينهم قرع
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة

حتى أتى إلى آخرها؛ فقال: ويحك! قل حاجتك فقال: يا أمير المؤمنين، أخربت الديار، وأخذت الأموال، وهتك الحرم؛ فقال: اكتبوا له بكلّ ما يريد؛ وأمر له بثلاثين ألف درهم، واحتبسه عنده، وشخص أصحابه بالكتب، ولم يزل عنده يقول الشعر فيه حتى استأذنه فى الانصراف فأذن له؛ ثم اتصل بالرشيد قوله:

شاء من النّاس راتع هامليعلّلون النّفوس بالباطل
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
تقتل ذرّيّة النّبيّ ويرجون خلود الجنان للقاتل
ما الشّكّ عندى فى كفر قاتلهلكنّنى قد أشكّ فى الخاذل

فامتعض الرشيد وأنفذ من يقتله؛ فوجده فى بعض الروايات ميتا، وفى أخرى عليلا لما به، فسئل الرسول ألّا يأثم به؛ وأن ينتظر موته، ففعل ولم يبرح حتى توفّى، فعاد بخبر موته إلى هارون.

وللنّمرىّ:

لو كنت أخشى معادى حقّ خشيتهلم تسم عينى إلى الدّنيا ولم تنم
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
لكنّنى عن طلاب الدّين محتبلوالعلم مثل الغنى والجهل كالعدم
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
يحاولون دخولى فى سوادهملقد أطافوا بصدع غير ملتئم
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
ما يغلبون النّصارى واليهود علىحبّ القلوب ولا العبّاد للصّنم
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة

مجلس آخر

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.