من «المحاسن والمساوئ» لإبراهيم بن محمد البيهقي (ت نحو ٣٢٠هـ)
محاسن مجالس أبي العباس السفاح في المفاخرة
قيل: كان أبو العباس يطيل السهر ويعجبه الفصاحة ومنازعة الرجال، فسهر ذات ليلة وعنده أناس من مضر وفهر وفيهم خالد بن صفوان بن الأهتم التميميّ وناس من اليمن فيهم إبراهيم بن مخرمة الكندي، فقال أبو العباس: هاتوا واقطعوا ليلتنا بمحادثتكم. فبدأ إبراهيم بن مخرمة وقال: يا أمير المؤمنين إن إخوالكم هم الناس وهم العرب الأول الذين دانت لهم الدنيا وكانت لهم اليد العليا، ما زالوا ملوكاً وأرباباً، توارثوا الرئاسة كابراً عن كابر وآخراً عن أول، يلبس آخرهم سرابيل أولهم، يعرفون بيت المجد ومآثر الحمد، منهم النعمانات والمنذرات والقابوسات، ومنهم غسيل الملائكة، ومنهم من اهتز لموته العرش، ومنهم مكلّم الذئب، ومنهم من كان يأخذ كل سفينة غصباً ويحوي في كل نائبة نهباً، ومنهم أصحاب التيجان وكماة الفرسان، ليس من شيء وإن عظم خطره وعرف أثره من فرس رائع وسيف قاطع أو مجنٍّ واق أو درع حصين أو درّة مكنونة إلا وهم أربابها وأصحابها، إن حلّ ضيف أقروه، وإن سألهم سائل أعطوه، لا يبلغهم مكاثر ولا يطاولهم مطاول ولا مفاخر، فمن مثلهم يا أمير المؤمنين؟ البيت يمانٍ والحجر يمان والركن يمان والسيف يمان. فقال أبو العباس: ما أرى مضر تقول بقولك هذا وما أظن خالداً يرضى بذلك. فقال خالد: إن أذن أمير المؤمنين وأمنت المواخذة تكلمت. فقال أبو العباس: تكلم ولا ترهب أحداً. فقال خالد: يا أمير المؤمنين خاب المتكلم وأخطأ المتقحّم إذ قال بغير علم ونطق بغير صواب، أوَيفخر على مضر ومنها النبي، ﷺ، والخلفاء من أهل بيته؟ وهل أهل اليمن يا أمير المؤمنين إلا دابغ جلداً وقائد قرداً وحائك برداً؟ دل عليهم الهدهد وغرّقهم الجرذ وملكتهم أم ولد من قوم، والله يا أمير المؤمنين ما لهم ألسنة فصيحة ولا لغة صحيحة ولا حجة تدل على كتاب ولا يعرف بها صواب، وإنهم منّا لإحدى الخلتين إن حازوا ما قصدوا أُكلوا وإن حادوا عن حكمنا قُتلوا. ثم التفت إلى الكندي فقال: أتفخر بأكرم الأنام وخيرها محمد، ﷺ، وبه افتخر من ذكرت، فالمنّ من الله ﷿ عليكم إن كنتم أتباعه وأشياعه فمنا نبي الله المصطفى وخليفة الله المرتضى ولنا السودد والعلى وفينا الحلم والحِجَا ولنا الشرف المقدم والركن المكرم والبيت المعظم والجناب الأخضر والعدد الأكثر والعز الأكبر، ولنا البيت المعمور والمشعر المشهور والسقف المرفوع وزمزم وبطحاؤها وجبالها وصحراؤها وحياضها وغياضها وأحجارها وأعلامها ومنابرها وسقايتها وحجابتها وسدانة بيتها، فهل يعدلنا عادل ويبلغ فخرنا قائل، ومنا أعلم الناس ابن عباس أعلم البشر الطيبة أخباره الحسنة آثاره، ومنا الوصي وذو النور، ومنا الصدّيق والفاروق، ومنا أسد الله وسيف الله، ومنا سيد الشهداء وذو الجناحين، ومنا الكماة والفرسان، ومنا الفقهاء والعلماء، بنا عُرف الدين ومن عندنا أتاكم اليقين، فمن زاحمنا زاحمناه ومن عادانا اصطلمناه ومن فاخرنا فاخرناه ومن بدّل سنّتنا قتلناه. ثم التفت إلى الكندي وقال: كيف علمك بلغات قومك؟ قال: أنا بها عالم. قال: ما الجحمة في لغتكم؟ قال: العين. قال: فما الميزم؟ قال: السّنّ. قال: فالشناتر؟ قال: الإصبع. قال: فالصنانير؟ قال: الآذان. قال: فما القلوب؟ قال: الذئب. قال: فما الزُّبّ؟ قال: اللحية. قال: أفتقرأ كتاب الله ﷿؟ قال: نعم. قال: فإن الله ﷿ يقول: " إنا أنزلناه قرآناً عربياً "، وقال: بلسان عربي مبين، وقال جل ذكره: " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه "، وقال ﷿: " العين بالعين "، ولم يقل الجحمة بالجحمة، وقال: " جعلوا أصابعهم في آذانهم "، ولم يقل شناترهم في صنانيرهم، وقال: السن بالسن، ولم يقل الميزم بالميزم، وقال: فأكله الذئب، ولم يقل القلوب، وقال: لا تأخذ بلحيتي، ولم يقل بزبي، وأنا سائلك يا ابن مخرمة عن ثلاث خصال فإن أنت أقررت بها قُهرت وإن جحدتها كفرت وإن أنكرت قتلت. قال: وما هي؟ قال: أتعلم أن فينا نبي الله المصطفى، ﷺ؟ قال: اللهم نعم. قال: أتعلم أن فينا كتاب الله تعالى؟ قال: اللهم نعم. قال: أفتعلم أن فينا خليفة الله المرتضى؟ قال: اللهم نعم. قال: فأي شيء يعدل هذه الخصال؟ قال أبو العباس: اكفف عنه فوالله ما رأيت غلبة أنكر منها، والله ما فرغت من كلامك يا أخا مضر حتى إنه سيُعرج
بسريري إلى السماء. ثم أمر لخالد بمائة ألف درهم. ري إلى السماء. ثم أمر لخالد بمائة ألف درهم.
وعن أبي بكر الهذلي قال: اجتمعنا عند أبي العباس أهل البصرة وأهل الكوفة ولم يكن من أهل البصرة غيري وكان من أهل الكوفة الحجاج بن أرطاة والحسن بن زيد وابن أبي ليلى فتذاكروا أهل الكوفة وأهل البصرة فقال ابن أبي ليلى: نحن والله يا أمير المؤمنين....... وكيف يكون لنا ذلك ولنا السند والهند وكرمان ومكران والفُرَض والعَرض والديار وسعة الأنهار؟ فقال ابن أبي ليلى: نحن أعلم منهم علماً وأكثر منهم فهماً، يقرّ بذلك أهل البصرة لأهل الكوفة. قلت: هم أكثر أنبياء وأقل أتقياء وأعظم كبرياء، منهم المغيرة الخبيث السريرة وبيان وأبو بيان، وتنسب فيهم الأنبياء والله ما أتانا إلا نبي واحد.
قال الحسن بن زيد: أنتم أصحاب عليّ يوم سرنا إليه لنقتله فكف الله أيدينا عنه وسار إلى الكوفة فقتلوه فأينا أعظم ذنباً؟ فقال الحجاج: والله يا أمير المؤمنين لقد بلغني أن أهل البصرة كانوا يومئذ عشرين ألفاً وكان أهل الكوفة خمسة آلاف، فلما التقت حلقتا البطان وأخذت الرجال أقرانها شدّت خيلهم في صعيد واحد. فقلت: وكيف يكون ذلك وخرجت ربيعة سامعة مطيعة تعين علياً وخرج الأحنف بن قيس في سعد والرِّباب وهم السنام الأعظم والجمهور الأكبر يعين علياً؟ ولكن سل هؤلاء يا أمير المؤمنين كم كانت عدتهم يا أمير المؤمنين يوم استغاثوا بنا، فلما التقينا كانوا كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف. فقال ابن أبي ليلى: والله يا أمير المؤمنين إنا لأشرف منهم أشرافاً وأكثر منهم أسلافاً. قلت: معاذ الله يا أمير المؤمنين! هل كان في تميم الكوفة مثل الأحنف ابن قيس في تميم البصرة الذي فيه يقول الشاعر:
إذا الأبصار أبصرت ابن قيسٍظللن مهابةً منه خشوعا
وهل كان في قيس الكوفة مثل قتيبة بن مسلم في قيس البصرة الذي يقول فيه الشاعر:
كل عامٍ يحوي قتيبة نهباًويزيد الأموال مالاً جديدا
دوّخ الصغد بالقبائل حتىترك الصغد بالعراء قعودا
باهليٌ تعصّب التاج حتىشبن منه مفارقٌ كنّ سودا
وهل كان في أزد الكوفة مثل مهلب بن أبي صفرة في أزد البصرة الذي يقول فيه الشاعر:
إذا كان المهلب من ورائيهدا ليلي وقرّ له فؤادي
ولم أخش الدنية من أناسٍولو صالوا بقوة قوم عاد
وهل كان في بكر الكوفة مثل مالك بن مسمع في بكر البصرة الذي يقول فيه الشاعر:
إذا ما خشينا من أميرٍ ظلامةًأمرنا أبا غسان يوماً فعسكروا
وهل كان في عبد قيس الكوفة مثل الحكم بن المنذر بن الجارود في عبد قيس البصرة الذي يقول فيه الشاعر:
يا حكم بن المنذر بن الجارودأنت الجواد بن الجواد المحمود
فضحك أبو العباس حتى ضرب برجله وقال: والله ما رأيت مثل هذه الغلبة قط!
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع