من «المحاسن والمساوئ» لإبراهيم بن محمد البيهقي (ت نحو ٣٢٠هـ)
مساوئ الندامة
قال: وإلى الكُسَعيّ يضرب المثل في الندامة وذلك أنه كان يرعى إبلاً له بوادٍ كثير العشب، فبينا هو كذلك إذ بصر بنبعة في صخرة فأعجبته، فقال: ينبغي أن تكون هذه قوساً، فجعل يتعهدها حتى إذا أدركت قطعها وجففها واتخذ منها قوساًن فأنشأ يقول:
يا رب وفقني لنحت قوسيفإنها من لذّتي لنفسي
وانفع بقوسي ولدي وعرسيأنحتها صفراء مثل الورس
صلباء ليست كقسيِّ النِّكس
ثم دهنها وخطمها بوتر ثم عمد إلى ما كان من برايتها فجعل منه خمسة أسهم فجعل يقلبها في كفه ويقول:
هن وربي أسهم حسانُيلذّ للرامي بها البنان
كأنها قوّمها الميزانفأبشروا بالخصب يا صبيان
إن لم يعقني الشؤم والحرمان
ثم خرج حتى أتى موارد حمر الوحش فكمن فيها فمرّ قطيع منها فرمى عيراً فأمخطه السهم حتى جازه وأصاب الجبل فأورى ناراً فظن أنه أخطأ فقال:
أعوذ بالله العزيز الرحمانمن نكد الجدّ معاً والحرمان
ما لي رأيت السهم بين الصّوّانيوري شراراً مثل لون العقيان
فأخلف اليوم رجاء الصبيان
ثم مكث على حاله فمر به قطيع آخر فرمى عيراً منها فأمخطه السهم فصنع صنيع الأول فقال:
لا بارك الله الرحمن في رمي القترأعوذ بالرحمن من سوء القدر
أأمخط السهم لإرهاق الضررأم ذاك من سوء احتيال ونظر
ثم مكث على حاله فمر به قطيع آخر فرمى عيراً منها فأمخطه السهم فقال:
ما بال سهمي يوقد الحباحباقد كنت أرجو أن يكون صائبا
وأمكن العير وأبدى جانبافصار رأيي فيه رأياً خائبا
ومكث مكانه فمر به قطيع آخر فرمى عيراً منها فأصرد السهم فصنع صنيع الأول فقال:
أبعدَ خمسٍ قد حفظتُ عدّهاأحمل قوسي وأُريد ردها
أخزى الله لينها وشدّهاوالله لا تسلم عندي بعدها
ولا أرجي ما حييت رفدها
ثم عمد إلى القوس فضرب بها حجراً فكسرها ثم بات، فلما أصبح إذا الحمر مطرحة حوله واسهمه مضرجة بالدم، فندم على كسر قوسه وشدّ على إبهامه فقطعها، وأنشأ يقول:
ندمت ندامة لو أن نفسيتطاوعني إذاً لقطعت خمسي
تبيّن لي سفاه الرأي منيلعمر أبيك حين كسرت قوسي
وقال الفرزدق:
ندمت ندامة الكُسعيّ لماغدت مني مطلقةً نوار
وكانت جنتي فخرجت منهاكآدم حين لجّ به الضرار
ومنه ما قيل في خفي حنين وكان حنين إسكافاً من الحيرة فساومه أعرابي بخفيه واختلفا في ذلك حتى أغضبه فأراد أن يغيظ الأعرابي، فلما ارتحل أخذ حنين الخفين فألقى أحدهما على الطريق وألقى الآخر في موضع آخر من طريقه، فلما مر الأعرابي رأى أحدهما فقال: ما أشبه هذا بخفّ حنين ولو كان معه أخوه نزلت فأخذته، ومضى، فلما انتهى إلى الآخر ندم على ترك الأول وأناخ راحلته فأخذه ورجع إلى الأول. وقد كمن له حنين فعمد إلى راحلته فذهب بها وما عليها، وأقبل الأعرابي وليس معه إلا الخفان، فقال له قومه: ما الذي أتيت به؟ قال: أتيت بخفّي حنين، فضربته العرب مثلاً. وقال الشاعر في مثله:
لتقرعنّ عليّ السنّ من ندمٍإذا تذكرت يوماً بعض أخلاقي
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع