من «المحاسن والمساوئ» لإبراهيم بن محمد البيهقي (ت نحو ٣٢٠هـ)
مساوئ من كره الوطن
قال بعض الفلاسفة: اطلبوا الرزق في البعد فإنكم إن لم تكسبوا مالاً غنمتم عقلاً كثيراً.
وقال آخر: لا يألف الوطن إلا ضيّق العطن.
وقيل لآخر: ما أصبرك على الغربة! فقال: انست بالنوائب حتى ما أعرف غيرها وغذيت بالمكاره فما أجد ضيرها.
ومدح أعرابي رجلاً فقال: خرّجته الغربة ودربته التجربة وضرسته النوائب.
وقال آخر: ما حنّ أحد إلى بلد لا جمع فيه شمله إلا لوصمةٍ في عقله ولا تنزع نفسه إلى بلد قلّ به رفده إلا لاستيلاء الموق عليه.
وقيل لآخر: ما العيش؟ فقال: دوران البلدان ولقاء الإخوان ومغازلة القيان واستماع الأغاني والنغمات من الزير والمثاني.
وقد قيل: من صبر على الغربة أمن من الكربة، وأفضل العدة الصبر على الشدة. وقالوا: لا توحشنّك الغربة إذا أنست بالكفاية، ولا تجزع لفراق الأهل مع لقاء اليسار.
وقيل الفقير في الأهل مصروم والغني في الغربة موصول.
وقيل: أوحش قومك ما كان في إيحاشهم انسك واهجر وطنك ما نبَت عنه نفسك.
وقريء على باب خان بطرسوس:
ما من غريبٍ وإن أبدى تجلدهإلا تذكر عند الغربة الوطنا
الطائي:
لا يمنعنّك خفض العيش تطلبهنزاع شوقٍ إلى أهلٍ وأوطان
تلقى بكل بلادٍ إن حللت بهاأهلاً بأهلٍ وجيراناً بجيران
ولآخر:
نبّت بك الدار فسر آمناًفللفتى حيث انتهى دار
وروي عن كعب بن مالك أنه وصف وحشة المدينة لغيبة النبي، ﷺ، فقال: تنكرت البلاد فما هي بالبلاد التي نعرف، وتنكر الناس فما هم بالناس الذين نعرف. وفي معناه قال الشاعر:
فما الناس بالناس الذين عهدتهمولا الدار بالدار التي كنت أعرف
وأنشد:
لا تقنعنّ ومطلبٌ لك ممكنٌفإذا تضايقت المطالب فاقنع
وقال آخر:
كم المقام وكم تعتادك العللما ضاقت الأرض في الدنيا ولا السبل
إن كنت تعلم أن الأرض واسعةٌفيها لغيرك مرتادٌ ومرتحل
فارحل فإن بلاد الله ما خلقتإلا ليسلك منها السهل والجبل
الله قد عوّد الحسنى فما برحتعندي له نعمٌ تثري وتتصل
إن صاق بي بلد هيا له عوضاًوإن نأى منزلٌ بي كان لي بدل
وإن تغير لي عن وده رجلٌأصفى المودة لي من بعده رجل
لم يقطع الله لي من صاحبٍ أملاًإلا تجدد لي من بعده أمل
لا تمتهن أبداً خدّيك من طمعٍفما لوجهك نورٌ حين يبتذل
وابغ المكاسب من أزكى مطالبهامن حيث تحمل حتى ينفد الأجل
ولآخر:
إذا ما أطال المرء مكثاً ببلدةٍتقعبه من بعد حدّته نكس
ولو أن هذي الشمس دام طلوعهاأو البدر لم يُحبب ولا حُبّت الشمس
فجل طالباً للرزق في الأرض واغتربففي كل أرضٍ للفتى الأكل واللبس
ولآخر:
وإذا الديار تنكرت عن أهلهافدع الديار وأسرع التحويلا
ليس المقام عليك حتماً واجباًفي بلدةٍ تدع العزيز ذليلا
ولآخر:
إذا خفت من دارٍ هواناً فإنماينجيك من دار الهوان اجتنابها
ولآخر:
اصبر على حدث الزمان فإنمافرج الحوادث مثل حلّ عقال
وإذا رأيت من ابن عمك جفوةًفاشدد يديك بعاجل الترحال
إن المقام على الهوان مذلةٌوالعجز آفة حيلة المحتال
وقد قيل: في حب الوطن: أحق البلدان بنزعك إليه بلد امصّك حلب رضاعه.
وقيل: احفظ بلداً أرشحك غذاؤه، وارع حمىً أكنّك فناؤه.
وقيل: لا تشكون بلداً فيه قبائلك ولا أرضاً فيها قوابلك.
وقيل: من علامة الرشد أن تكون النفس إلى أوطانها مشتاقة وإلى مولدها توّاقة.
قيل: ولما خرج الرشيد إلى خراسان وصار بعقبة همذان أنشأ يقول:
حتى متى أنا في حلٍّ وترحالوطول همٍ بإدبارٍ وإقبال
ونازح الدار لا ينفك مغترباًعن الأحبة لا يدرون ما حالي
في مشرق الأرض طوراً ثم مغربهالا يخطر الموت من حرصي على بالي
ولو قنعت أتاني الرزق في دعةٍإن القنوع الغنى لا كثرة المال
وذكروا أن أبا دلفٍ لما ولي الشام طال مقامه فحنّ إلى وطنه فكتب لى يزيد بن مخش:
أيزيد طالت غربةٌ ومقاموبكاً فأسعده البكاء حمام
أيزيد هل من مطمعٍ في أوبةٍلمتيّمٍ طالت به الأيام
لعب الفراق بنومه فأفاتهطيب الكرى فدموعه تسجام
ما نام عنه وإن رقدتم شوقهوالشوق يسري والعيون نيام
والشوق ألزمه البكاء فنفسهحرّى وأذبل جسمه التّهمام
يا طائفاً أهدى السلام إلى فتىًتهدي إليّ سلامك الأحلام
أنى وكيف ينام صبٌ هائمأفضت إليه بسرّه الأقلام
يا جانب الأهواز جادك وابلٌوسقاك من ديم الربيع رهام
كم فيك من شجنٍ ومأنس وحشةٍومحبّبٍ تُشفى به الأسقام
فلئن أحلّكما الزمان ببلدةٍ من دونها القفرات والآكام
وشواهقٌ تزع السحاب شوامخٌليست وإن دأب المطيّ ترام
.... أرى الأيام تجمع بينناوالدهر فيه مسرةٌ وغرام
أيزيد ساعدك الزمان وخانناوالدهر ليس لحالتيه دوام
تمسي ضجيع خريدةٍ ومضاجعيعضبٌ حديد الشفرتين حسام
وتجر أذيال النعيم مرفِّلاًوأظل يكسوني الشحوب قتام
متسربلاً حلق الحديد يحفّنيلجبٌ يضيق به الفضاء لهام
من كل أشعث في الحديد مقنّعٍذرب الحسام كأنه ضرغام
والحرب حرفتنا وليست حرفةًإلا لمن هو في الوغى مقدام
نعري السيوف فلا تزال عريةًحتى تكون جفونهن الهام
ما للزمان اعتاقنا من بينكمفجرت علينا للزمان سهام
يا ليته إذ لم يدم إحسانهأن لا يكون لما أساء دوام
فبلغ شعره المأمون فقال: حنّ القاسم بن عيسى إلى وطنه، فأمره بالانصراف.
قال الأصمعي: قدم سعيد بن صمصم على الحسن بن سهل فأنشده القصيدة يصف فيها حنينه إلى سوء حاله بالبادية ويستميحه:
سقياً لحيٍّ باللوى عهدتهممنذ زمانٍ ثم هذا ربعهم
عهدتهم والعيش فيه غُرّةٌولم يناو الحدثان شعبهم
ولم يبينوا لنوىً قذافةٍتقطع حبلي من وصال حبلهم
فليت شعري هل لهم من مطلبأو أجدنّ ذات يوم بدلهم
أو يعذرنّ بالبكاء إن بكىصبٌّ معنًّى مستحق إثرهم
مكلّفٌ بالشوق لا ينساهميمنحهم ودّاً ويرعى عهدهم
وينذر النذور إن رآهموعاد يوماً عيشه وعيشهم
ولا رب العرش لا يلقاهمولا يعود عيده وعيدهم
وكيف يلقاهم كبيرٌ سنهوقد مضى الدهر وطاح نجمهم
هيهات عدِّ النفس عن ذكراهمواقصد لنحو آخرين غيرهم
هذا وقد رأيتني فلم ألُمرأيي إذا لام الرجال رأيهم
أدعو ابن سهلٍ حسناً ومجدهحين تعيّا بعيالي أمرهم
أظل أدعو باسمه ودونهقومٌ كثيرٌ رغبةً تركتهم
تخيراً إخترته عليهمولا بهم بأس ولا ذممتهم
ناموا فلما أن رأيت نومهمعني تحملت فما أيقظتهم
يا ابن كرامٍ كابراً عن كابرٍزانوك زيناً باقياً وزنتهم
كانوا هم الأشراف سادوا كلهمما في جميع العالمين مثلهم
بنوا جميع المجد فيما قد مضىوأنت تبنيه كذاك بعدهم
في شرفٍ مؤيّدٍ أركانهلم يبنه بانٍ سواهم قبلهم
فيا ابن سهلٍ وابن آباءٍ لهكانوا مناجيب قديماً فضلهم
والله ما تصبح بين معشرٍإلا وأنت شمسهم وبدرهم
والناس آخاذٌ وماءٌ ناقعٌوغدُرٌ تجري وأنت بحرهم
والناس أجناس كما قد مُثلواوفيهم الخير وأنت خيرهم
حاشا أمير المؤمنين إنهخليفة الله وأنت صهرهم
إليك أشكو صِبيةً وأمهملا يشبعون وأبوهم مثلهم
قد أكلوا الوحش فلم يشبعهموشربوا الماء فطال شربهم
وامتذقوا المذاق فيا دنياهموالمضغ إن نالوه فهو حسُّهم
لا يعرفون الخير إلا ذكرهوالدهر هيهات فليس عندهم
وما رأوا فاكهةً في عيصهاولا رأوها وهي تهوي نحوهم
وما لهم من كاسبٍ علمتهعلى جديد الأرض غير جحشهم
وجحشهم قد بات منهوي القرىومثل أعواد الشكاعى كلبهم
كأنني فيهم وإن وليتهمكانوا مواليّ وكنت عبدهم
مجتهداً بالنصر لا آلوهمأدعو لهم يا رب سلم أمرهم
وتارة أقول مما قد أرىيا رب باعدهم وباعد دارهم
يأوون بالليل إذا ما أحرجواوهي إلى ذرى اللهَيْم وهي قدرهم
بها يطوفون إذا ما اجرنثمواوهي أبوهم عندهم وأمهم
زغب الرؤوس قُرعت هاماتهممن البلاء وأسمأدّ سمعهم
بل لو تراهم لعلمت أنهمقومٌ مساغيب قليلٌ نومهم
وكالسعالي في مسوكها. ..فلو يعضّون لذكّى سمُّهم
قد جرّسوا الدهر وقد بلاهمهذا وهذا دأبه ودأبهم
ولا يعيشون بعيشٍ سابغٍولا يموتون وذاك قصرهم
وقد رجونا يا ابن سهلٍ نائلاًمنك يرمّ فقرهم وبؤسهم
فإنما أنت حيا أمثالهمفجد لهم بنائلٍ لا تنسهم
وأسْدِ نعماك إليهم واتخذحمداً وشكراً كل ذاك عندهم
هذا وأنت قد حرمت حظهمفلا تجودن لخلقٍ بعدهم
فقال له الحسن: سل ما شئت وتمن ما أحببت، فلو خرجت إليك من ملكي كله ما كافأتك. فقال: تشتري لي غنيمات وتردني إلى البادية. فقال: نحن إلى مكان تصفه بهذه الصفة. قال: الوطن الوطن. فاشترى له ألف شاة وأعطاه عشرين ألف درهم ورده إلى وطنه.
ومما قيل فيمن كره الغربة قال ابن أبي السرج: قرأت على حائط خانٍ بالأهواز:
إن الغريب ولو يكون ببلدةٍيُجبى إليه خراجها لغريب
وأقل ما يلقى الغريب من الأذىأن يُستذلّ وقوله مكذوب
قال: وقرأت على حائط خان بعسكر مكرم من الأهواز:
إن الغريب إذا ينادي موجعاًعند الشدائد كان غير مُجاب
فإذا نظرت إلى الغريب فكن بهمتراحماً لتباعد الأحباب
قال: وقرأت على حائط خان ببغداد في الجانب الغربي:
غريب الدار ليس له صديقجميع سؤاله كيف الطريق
تعلّق بالسؤال بكل شيءٍكما يتعلق الرجل الغريق
فلا تجزع فكل فتىً ستأتيعلى حالاته سعةٌ وضيق
قال: ووجدت على بابٍ مكتوباً:
عليك سلام الله يا خير منزلٍرحلنا وخلفناك غير ذميم
فإن تكن الأيام فرّقن بيننافما أحدٌ من ريبها بسليم
وأنشد:
أقمنا مكرهين بها فلماألفناها خرجنا مكرهينا
وما حب البلاد بنا ولكنأمرُّ العيش فرقة من هوينا
ولآخر:
أقمت بأرضكم بالكره منيفلما طاب لي فيها المقيل
وأوطنت البلاد وحنّ قلبيبغزلانٍ بها أزف الرحيل
ولآخر:
وإن اغتراب المرء من غير فاقةٍولا حاجةٍ يسمو لها لعجيب
فحسب الفتى بخساً وإن أدرك الغنىونال ثراءً أن يقال غريب
ولآخر:
أيّ سرورٍ لعيش مغتربٍفردٍ وحيدٍ نأى عن الوطن
لا تطمع النفس في هواه ولايكحل عيناً بمنظرٍ حسن
ولآخر:
سل الله الإياب من المغيبفكم قد ردّ مثلك من غريب
وسل الحزن عنك بحسن ظنٍّولا تيأس من الفرج القريب
ولآخر:
تصبّر ولا تعجل وُقيت من الردىلعل إياب الظاعنين قريب
فقلت وفي قلبي جوىً لفراقهاألا لا تعزّيني فلست أُجيب
أعاذل حبي للغريب سجيةٌوكلُّ غريبٍ للغريب حبيب
لئن قلت لم أجزع من البين إن مضوالطيّتهم إني إذاً لكذوب
بلى غُبَّرات الشوق أضرمت الحشاففاضت لها من مقلتيّ غروب
ولآخر:
إذا اغترب الكريم رأى أموراًمحجلةً يشيب لها الوليد
قال أبو الحسين محمد بن أحمد بن يحيى بن أبي البغل: أنشد أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب:
ما كنتُ أحسب أن يكون كذا تفرقنا سريعا
بخل الزمان عليّ أننبقى كما كنّا جميعا
فأحلّني في بلدةٍوأحلّك البلد الشسيعا
قد كنت أنتظر الوصال فصرت أنتظر الرجوعا
ولآخر:
إلفان كانا لهذا الحب قد خلقاداما عليه فتمّ الوصل واتفقا
كنا كغصنين في عودٍ فغالهماريب الزمان وصرف الدهر فافترقا
فاصفرّ عودهما من بعد خضرتهوأسقط البين من عوديهما الورقا
ولآخر:
أتظعنُ والذي تهوى مقيملعمرك إن ذا خطبٌ عظيم
إذا ما كنت للحدثان عوناًعليك وللفراق فمن تلوم
ولآخر:
لقد شفّني أني أدور ببلدةٍأخلايَ منها نازحون بعيد
أُقلّبُ طرفي في البلاد فلا أرىوجوه أخلاي الذين أريد
ولآخر:
قف بالمنازل وقفة المشتاقواسفح بها من دمعك المهراق
لا تبخلنّ على الديار بأدمعٍيجرين بين محاجرٍ ومآقي
تلك الديار كما عهدت عميرةٌلكنها صفرٌ من الطرّاق
لم يبقها أمدٌ تقادم عهدهفالدمع ينطق والرسوم بواقي
لهفي على زمنٍ مضت أيامهوالعيش غضٌّ مورق الأوراق
أيامنا ما كانت إلا خلسةًكسف الهلال عراه وجه محاق
أو نظرةً من خائفٍ لم ينجهخوفٌ الحذار وشدة الإشفاق
وكذاك أيام السرور قصيرةٌلكن أيام البلاء بواقي
كيف اللقاء وقد تطاوحت النوىشتان بين مشائمٍ وعراق
يا ليت شعري كيف عهد أحبتيلما أظلهم وشيك فراقي
ظني بهم حسنٌ وكيف بأوبةٍتروي غليل متيمٍ مشتاق
ومنها نجديات:
ألا هل أرى حوراً تبرقعن بالحمىوهل أجتني بالعين من خدهم وردا
لعلي أرى نجداً ومن حلّ بالحمىفأحسب من نجدٍ على كبدي بردا
خليليّ قد داويت عقلاً سلبتهبشحط النوى والبعد من قربهم عمدا
فلم أر بعد الدار يشفي من الجوىولا القرب أيضاً من ديارهم أجدى
بلى إن في النأي التقطع والأسىوحبُّ سليمى القلب من بينهم أودى
ولآخر:
نسيم الخزامى والرياح التي جرتبليل على نجدٍ تذكرني نجدا
أتاني نسيم السِّدر طيباً من الحمىفذكّرني نجداً وقطّعني وجدا
ولآخر:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةًبصحراء من نجران ذات ثرىً مندي
وهل أردنّ الدهر حصن مجاشعٍوقد ضربته نفحةٌ من صبا نجد
ولآخر:
أقول لصاحبي والعيس تخديبنا بين المنيفة والضمار
تمتع من شميم عرار نجدٍفما بعد العشية من عرار
ألا يا حبذا نفحات نجدٍوريّا روضه غبَّ القطار
شهورٌ ينقضين وما شعرنابأنصافٍ لهن ولا سرار
وأما ليلهن فخير ليلٍوأنضر ما يكون من النهار
قال: وقال الفتح بن خاقان: ورد عليّ أعرابي من البادية نجديّ فصيحٌ فبات ليلةً عندي على سطح مشرف على بستان، فسمع فيه صوت الدواليب فقال: ما أشبه هذا إلا بحنين الإبل، وأنشدني:
بكرتْ تحنّ وما بها وجديوأحنّ من شوقٍ إلى نجد
فدموعها تحيا الرياض بهاودموع عيني أحرقت خدي
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع