من «المحاسن والمساوئ» لإبراهيم بن محمد البيهقي (ت نحو ٣٢٠هـ)
محاسن الصمت
الهيثم بن عدي قال بعض الحكماء: تكلم أربعة من الملوك بأربع كلمات رميت عن قوس واحدة فقال كسرى: أنا على ردّ ما لم أقل أقدر مني على رد ما قد قلت. وقال ملك الهند: إذا تكلمت بالكلمة ملكتني وإن كنت أملكها. وقال قيصر: لا أندم على ما لم أقل وقد أندم على ما قد قلت. وقال ملك الصين: عاقبة ما قد جرى به القول أشد من الندم على ترك القول.
وقال بعضهم: من حصافة الإنسان أن يكون الاستماع أحب إليه من المنطق إذا وجد من يكفيه، فإنه لن يعدم في الاستماع والصمت سلامة وزيادة في العلم.
وقال بعض الحكماء: من قدر أن يقول فيحسن قادر أن يصمت فيحسن، وليس كل من صمت فأحسن قادر أن يقول فيحسن.
وقال أبو عبيد الله كاتب المهدي: كن على التماس الحظ بالسكوت أحرص منك على التماسه بالكلام.
وكان يقال: من سكت فسلم كان كمن قال فغنم.
وقال علي بن عبيدة: الصمت أمان من تحريف اللفظ وعصمة من زيغ المنطق وسلامة من فضول القول.
وقال رسول الله، ﷺ، إن الله جل وعز يكره الانبعاق في الكلام، فرحم الله امرأً أوجز في كلامه واقتصر على حاجته.
قيل: وكلم رجل سقراط بكلام أطاله فقال: أنساني أول كلامك طول عهده وفارق آخره فهمي بتفاوته. قيل: ولما قدم ليُقتل بكت امرأته، فقال: ما يبكيك؟ قالت: تُقتل ظلماً. قال: وكنت تحبين أن أقتل حقاً! قيل: ودخل رجل على معاوية ومعه ابن له يتوكأ عليه فقال: من هذا الغلام معك؟ قال: ابن لي يتيم. قال: حق لمن كنت أباه أن يكون يتيماً.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع