من «المحاسن والمساوئ» لإبراهيم بن محمد البيهقي (ت نحو ٣٢٠هـ)
محاسن الأدب
قال علي بن أبي طالب، ﵁: كفى بالأدب شرفاً أنه يدّعيه من لا يحسنه ويفرح إذا نسب نسب إليه، وكفى بالجهل خمولاً أنه يتبرأ منه وينفيه عن نفسه من هو فيه ويغضب إذا نسب إليه. فأخذ بعض المولدين معنى قوله فقال:
ويكفي خمولاً بالجهالة أننيأراع متى أُنسب إليها وأغضب
وقال، رحمة الله عليه: قيمة مل امريءٍ ما يحسن. فرواه بعض المحدثين شعراً فقال:
قال علي بن أبي طالبوهو اللبيب الفطن المتقن
كلّ امريءٍ قيمته عندناوعند أهل العلم ما يحسن
وأنشد أبو الحسن بن طباطبا العلوي لنفسه:
حسودٌ مريض القلب يخفي أنينهويضحي كئيب البال عندي حزينه
يلوم على أن رحت في العلم راغباًوأجمع من عند الرواة فنونه
فأعرف أبكار الكلام وعونهاوأحفظ مما أستفيد عيونه
ويزعم أن العلم لا يجلب الغنىويحسن بالجهل الذميم ظنونه
فيا لائمي دعني أُغالي بقيمتيفقيمة كل الناس ما يحسنونه
وقيل: الأدب حياة القلب ولا مثيبة أعظم من الجهل. وأنشدنا الكسروي:
عِيّ الشريف يزين منصبهوترى الوضيع يزينه أدبه
قال: وسمع بعض الحكماء رجلاً يقول: إني غريب. فقال: الغريب من لا أدب له.
وكان يقال: من قعد به حسبه نهض به أدبه.
وقال علي بن أبي طالب، ﵁: العلم خير من المال لأن العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال يبيده الإنفاق، والعلم يزكو على الإنفاق، والعلم حاكم والمال محكوم عليه.
وقيل لبزرجمهر: الأدب أفضل أم المال؟ قال: بل الأدب. قيل له: فما بال الأدباء بباب الأغنياء ولا نرى الأغنياء بباب الأدباء؟ فقال: لعلم الأدباء بمقدار فضل المال وجهل الأغنياء بمقدار الأدب.
وقال بعض الحكماء: إن كان الرزق لا بد مطلوباً بسبب فأفضل أسبابه ما افتتح بالأدب، ونظرنا فلم نره اجتمع لشيء من أصناف الصناعات كما اجتمع للكتبة لأنها لا تكمل لأحد حتى يبتدئها برياضة نفسه في الأدب فينفذ في الخط والبلاغة في الكتب والفصاحة في المنطق والبصر بصواب الكلام من خطابه والعلم بالشريعة وأحكامها والمعرفة بالسياسة والتدبير.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع