من «المحاسن والمساوئ» لإبراهيم بن محمد البيهقي (ت نحو ٣٢٠هـ)
محاسن الشعراء
قال الخليل بن أحمد: الشعراء أمراء الكلام يجوز لهم شق المنطق وإطلاق المعنى ومدّ المقصور وقصر الممدود.
وقال معمر بن المثنى أبو عبيدة: افتتح الشعر بامريء القيس وختم بابن هرمة.
وقال أبو عبيدة: الشعراء في الجاهلية من أهل البادية أهل نجد، منهم: امرؤ القيس، والنابغة، وزهير، ودريد بن الصمة، ومنهم كثيّر في الإسلام، فهؤلاء الشعراء الفحول الذين مدحوا وفخروا وذموا ووصفوا الخيل والمطر والديار وأهلها، وأشعر أهل المدن أهل يثرب وأهل الطائف وعبد القيس، وليس في بني حنيفة شاعر، وأشعر الشعراء ثلاثة: امرؤ القيس، والنابغة، وزهير ثم الأعشى. وأشعر الفرسان ثلاثة: عنترة بن شداد، ودريد بن الصمة، وعمرو بن معدي كرب، وأشعر الشعراء المقلين ثلاثة: المتلمس، والمسيب بن علس، وحصين بن حمام المريّ، وأشعر العرب واحدة طويلة جمعت جودة مع طول ثلاثة: طرفة بن العبد في قوله:
لخولة أطلالٌ ببرقة ثهمد
والحارث بن حلّزة في قوله:
آذنتنا ببينها أسماء
وعمرو بن كلثوم في قوله:
ألا هبّي بصحنك فاصبحينا
وأشعر أهل زماننا ثلاثة: جرير، والفرزدق، والأخطل.
قيل: وسئل الأخطل: أيكم أشعر؟ فقال: أفخرنا الفرزدق، وأمدحنا وأوصفنا للخمر أنا، وأسهبنا وأنسبنا وأسبنا جرير، وأرجز الرجّاز في الإسلام وقبله العجاج، فإنه فتح أبواب الرجز واستوقف ووصف الديار وأهلها ووصف الخيل والمطر ومدح وذم، فذهب في الرجز مذهب امريء القيس في القصد وهو أرجز الرجاز، وقد قيل أرجز الرجاز ثلاثة: العجاج، وابنه رؤبة، وحميد الأرقط، وقال بعضهم: أبو النجم العجلي، وأجود الأراجيز قول رؤبة:
وقاتم الأعماق خاوي المخترق
وقول أبي النجم:
الحمد لله الوهوب المجزل
قيل وقال مسلمة بن عبد الملك لخالد بن صفوان: صف لنا جريراً والفرزدق والأخطل. فقال: أصلح الله الأمير! أما أعظمهم فخراً وأبعدهم ذكراً وأحسنهم غزلاً وأحلاهم معاني وعللاً، الطامي إذا زخر والحامي إذا زأر والسامي إذا نظر، الذي إن أهدر قال وإن خطر صال وإن طلب نال، الفصيح اللسان السبّاق في الرهان فالفرزدق. وأما أهتكهم ستراً وأغزرهم بحراً وأرقّهم شعراً، والأغر الأبلق الذي إن طلب لم يُسبق وإن طُلب لم يلحق، الواصف للفرسان الناعت للأظعان بحلاوة وبيان فجرير، وأما أحسنهم نعتاً وأقلهم فوتاً وأمدحهم بيتاً، الذي إن هجا وضع وإن مدح رفع وإن حاز أفظع، البعيد المتان الماضي الجنان الممداح للسلطان فالأخطل. وكلهم، أصلح الله الأمير، طويل النجاد رفيع العماد ذكيّ الفؤاد.
قال: فصف لنا الشعراء العشرة، فقال: قصتهم مفسرة، أما أحسنهم نسيباً وتشبيباً وأشدهم تأليباً فامرؤ القيس. وأما أفحلهم مقالاً وأنبلهم رجالاً وأكرمهم فعالاً فزهير. وأما أرجحهم كلاماً وأنبلهم مقاماً وأشرفهم أياماً فأوس بن حجر. وأما أفصحهم لساناً وأثبتهم بنياناً وأشدهم إذعاناً فالنابغة، وأما أطردهم للصيد وأجحشهم في الكيد وأدرجهم في القيد فعديّ بن زيد.
وأما أوصفهم للسلاح وأنعتهم للقداح والحرب ذات الكفاح فابن مقبل. وأما أوصفهم للسيئين وأكسبهم للمئين وأمدحهم أجمعين فالحطيئة. وأما أهجاهم للرجال وأبذّهم في المقال وأضربهم للأمثال فطرفة. وأما أعفهم عن الكاس وأحضهم على الباس وأصدقهم عند الناس فسلامة بن جندل.
قال: وقال العتابي في ذكر أبي نواس: لو أدرك الخبيث الجاهلية ما فُضّل عليه أحد.
وقال أبو عمرو بن العلاء: أشعر الناس في صفة الخمر ثلاثة: الأعشى والأخطل وأبو نواس.
وقال إبراهيم النظام: كأنما كشف لأبي نواس عن معاني الشعر فاختار أحسنها.
وقال أبو عبيدة: أبو نواس للمحدثين كامريء القيس للأوائل هو فتح لهم هذه الفطن ودلّهم على المعاني.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع